المعاناة سلطة الحياة علينا، ربما تكون إحدى غايات المعاناة هي دفعنا نحو التغيير، فعادة ما يكون النقص موجودًا في جزء ما من حياتنا، أما الكمال فهو ضرب من الخيال.

للإنسان تعريفات عديدة في الفلسفة والعلم والدين، ولن يضر أحد إن أضفت لها تعريفًا آخر، الإنسان كائن غير راض، و«عدم الرضا» هي إحدى محركات الحياة، منذ القدم وحتى الآن وإلى المستقبل يسعى الإنسان «أي إنسان» إلى دفع الحياة بأشكالها السيئة والجيدة نحو الأمام، إلى حيث لا شبع، إلى ملء شعور النقص، وإحدى محركات هذا الدفع هي المعاناة.

يبدو أنّ الألم هو الوسيلة الأكثر فعالية لحث الإنسان على القيام بالفعل، ببساطة فالألم يعلمنا ما هي المؤذيات التي يجب أن نحذر منها لتجنب ألم عشناه سابقًا، بالإضافة لذلك فإن الدماغ لا يفرق بين الألم الجسدي والنفسي، فعندما أقول بأن إحساسي عندما طُردت من العمل كما لو أنّ أحدًا ما وضع قطعة نار في رأسي، فهذا يعني أنني تألمت كما لو أنّ قطعة النار وُضعت فعلًا في رأسي.

لذلك عملية التعلم من المعاناة والألم كما أنها مادية تجعلنا نبتعد عن الكهرباء لتفادي الصعقة الكهربائية هي نفسية أيضًا تجعلنا نختبر أوجاع مختلفة كما لو أننا عشناها بطريقة مادية، أما خوفنا من تلقي الألم والمعاناة يجعلنا منفصلين عن العالم من حولنا حيث لا حياة خالية من المعاناة، أما غير ذلك فهي أحلام طفل.

نعم المشاكل لا تنتهي في الحياة الواقعية، وفي الحقيقة هذا ما يجعلها واقعية، إن مصاعب الحياة هي من أدل الأدلة على وجودك فيها، وتقتضي مهمتك باستبدال هذه المشاكل، أيّ الاعتراف بها، ثم مواجهتها، ثم حلها.

إحدى حقائق الإنسان هي قدرته على حل مشاكله وليس عدم وجود مشاكل في حياته، أي أنّ عمق الألم هو حثك على التفكير؛ لأن الحل هو عملية عقلية في البداية، والسعادة ليست ترفًا معنويًا بقدر ماهي محصلة لعدة أفعال متراكمة ومتقادمة لحل المشاكل، وعملية الإنكار وادعاء عدم وجود المشكلة ما هو سوى عملية خوف وانسحاب، أما ذهنية الضحية التي تدعي بأنه ما من شيء قادر على حل هذه المشكلة أو تلك، أو لوم الآخرين والظروف الخارجية، جميعها تخلق شعورًا من الراحة على المستوى القصير ينتهي بالعجز.

حدد ما هي غايتك من حياتك؟

قد تدور أغلب الاجابات في فلك الراحة والسعادة، أسرة سعيدة، حرية مالية، شهرة، عمل أحبه… إلخ، لذلك يجب أن نصيغ السؤال كالآتي، «ما هي المعاناة التي تريدها في حياتك وما الذي تظن أنك مستعد للنضال من أجله؟» إجابتك تساهم بشكل مباشر في تحديد مجرى حياتك، لذلك اختر ما تكافح من أجله بعناية.

ما هو الشيء الذي أنا مستعد للنضال من أجله؟

هل هو الجسد الجذاب والعضلات المفتولة، كن مستعدًا لتحمل ألم الصالات الرياضية واتباع نظام غذائي صحي دقيق، أو هل تناضل للعمل الأفضل، كن مستعدًا للتفاني بساعات عمل طويلة والتعلم المستمر، هل تناضل من أجل المعرفة والفهم، كن مستعدًا للمعارك مع الكتب والسهر والأفكار، وهكذا دواليك حدد ما تريد، ثم كافح من أجله.

أما أن نحلم بالنتيجة ونتغافل عن الصراع المفضي إليها ونسعى للسعادة ونهرب من المعاناة التي تؤدي إلى الراحة ونحب النصر وننكر سلسلة الهزائم التي تسبقه فهذه حياة بلا معنى، يجب أن نتعلم بأن النصر هو عملية منبثقة عن وعي، وليست حالة وجدانية مرتبطة بشعور لطيف يأتي ويرحل.

أنا لا أرمي إطلاقًا إلى تلك الجملة الساذجة التي تعلمناها في المدرسة، من جدّ وجد، ومن سار على الدرب وصل، بل أقول إن معاناتنا الحقيقية تحدد نجاحنا الحقيقي، وحل المشاكل يؤدي إلى السعادة، فكل ما له قيمة في حياتنا يتم الحصول عليه من خلال التغلب على صعوباته، إنه مسار مستمر، وليست لحظة أو فترة نعيشها، ثم تنتهي ونمضي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنمية ذاتية
عرض التعليقات
تحميل المزيد