كما رأينا في المقال السابق فإن الرواية الصومالية قبل سقوط النظام كانت تناقش قضايا اجتماعية سائدة ومنتشرة في ذلك الوقت، وإذا أمعنا النظر في أكثر الروايات التي نشرت آنذاك فكثير منها تدور حول قضية المرأة، وحتى الروايات التي كتبت باللغات الأجنبية شاركت في مناقشة هذه القضية، فالرواية التي كتبها الروائي الصومالي نور الدين فارح في بداية السبعينيات (من ضلع أعوج) تحدثت عن فتاة عيبلا التي عانت الكثير من المشاكل في مجتمعها، ونور الدين ككاتب نسوي يناقش كثيرًا هذه القضية في رواياته العالمية. رواية «الخادمة» ورواية «أيان درن» أيضًا من الروايات التي كتبت في ذلك الوقت التي ناقشت نفس القضية.

هناك قضايا أخرى قد تناولتها روايات أخرى وقصص قصيرة، كما أن جانب الرومانسية كان أيضًا من الجوانب التي تنناولتها الروايات. أما الجانب السياسي فإنه لم تتح له الفرصة للتحدث عنه بالتفصيل، فإن النظام البوليسي الدكتاتوري الذي كان يحكم البلاد لم يسمح لأي كاتب بتناول هذه القضية، بينما عانى كثير من الكتاب التهديدات التي كانت تأتي من قبل النظام وأصبح كثير منهم قيد الاعتقال.

بعد سقوط النطام زادت قضايا مهمة أنست أكثر الكتاب عما تحدثوا من قبل في رواياتهم. اندلعت الحرب الأهلية في الصومال، اندثرت جميع معالم الدولة، دمرت البنية التحتية للبلاد، زادت الفوضى في جميع أنحاء البلاد، كما أن كثيرًا من الصوماليين هربوا إلى خارج البلاد، فاضطروا بأخذ نظام مختلف عن نظامهم السابق وتلقوا عادات ومعايير جديدة. نشأ جيل جديد في الأوطان التي هاجروا إليها ولم يعرف شيئًا عن اللغة الصومالية وعن عادات وتقاليد الأجداد.

بعد سقوط النظام وجد كتاب صوماليون تناولوا قضايا مهمة وتحدثوا في رواياتهم عن الماضي وكيف عانى البلاد بالنظام الدكتاتوري الذي كان يحكم البلاد قرابة ربع قرن، كما وجد آخرون تحدثوا عن القضايا الجديدة التي عانها الشعب الصومالي بعد سقوط النظام ومنها: القبلية التي أصبحت معيار كل شخص صومالي كما أن من القضايا التطرف الديني الذي انتشر في الصومال.

رواية «Aanadii Nageeye»

هذه الرواية الصومالية واحدة من الروايات الناجحة وأصبحت شهيرة لدى القراء الصوماليين، كما أن هناك بعض من يعتبرها أفضل رواية كتبت باللغة الصومالية على الإطلاق. الروائي والناقد الصومالي إبراهيم هود يوسف نشر روايته هذه في سنة 2007 وحققت نجاحًا باهرًا في أوساط الشعب الصومالي.

هذه الرواية تناولت قضايا عدة من القضايا السابقة الذكر كما أنها تحدثت بالتفصيل عن النظام الدكتاتوري الذي كان يحكم البلاد من بداية السبعينيات إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، تحدثت بالتفصيل عن الجرائم التي ارتكبتها الدولة ضد الشعب والمجزرة التي حدثت في الشمال الصومالي، تحدثت الرواية كيف دمرت الكثير من البيوت وأجبر الشعب الهروب إلى البلدان المجاورة مثل: إثيوبيا وكينيا واليمن. نجييي، الشخصية الأولى في الرواية ولد في البادية وقتل أبوه نفس تلك الليلة التي ولد فيها، يسمع بعدما يكبر أن رجلا قتل أباه بأمر تافه ثم أعطت قبيلته دية لقبيلة أبيه.

يرى نجييي أن هذه الحالة لا تليق بأبيه فيقوم بثأر أبيه ويقتل ذلك الرجل الذي قتل أباه، يهرب من البادية إلى العاصمة ويختبئ في بيت خاله في المدينة. بعد مدة ينضم للجيش الصومالي وهكذا يترقى المراتب حتى يصل مرتبة عالية في الجيش. هو شخص لا يقرأ ولا يكتب فقط يتلقى الأوامر من الأعلى ويأخذها كأنها وحي منزل، شارك في الجرائم التي ارتكبت الدولة ضد الشعب، مات ضمير الإنسانية فيه فيأخذ أموال الشعب وحقوقهم باسم الدولة وكل من خالف رأيه إما الإعدام أو السجن المؤبد.

روبلي هو خاله، له بيت في العاصمة، تعلم في خارج البلاد وهو من الفئة المثقفة في البلاد. ليلى هي ابنته الوحيدة ويعيش معهم راجي الذي قدم من البادية وبقي عند عمه روبلي حتى تعلم مثله وتخرج من الثانوية ثم ذهب إلى لندن لإكمال دراسته الجامعية، لكنه حينما أكمل ثلاث سنوات قررت الحكومة أن يرجع إلى البلاد ويكمل دراسته في الجامعة الصومالية لإنه بدأ نشر مقالات ضد النظام.

يبدأ راجي التدريس في مدرسة ثانوية يديرها «ديريا»، يتذكر راجي أنه رأى ديريا في مكان ما، رآه عدة مرات مع نجييي وكان صديقه المقرب. ديريا نشأ في نفس البادية والقرية التي نشأ فيها نجييي، هو مدير مدرسة ثانوية لكنه لم يذهب إلى مدرسة قط فضلا عن خبرة وشهادة جامعية، هو يستطيع القراءة والكتابة لكنه يدير المدرسة بحيل خالية عن أي نظام أكاديمي لكنه كثيرًا لا يفقد من يسانده بمقابل مالي.

يتساءل راجي متى بدأ ديريا هذه الحياة وكيف أصبح مدير مدرسة ثانوية؟ لا يجد جوابًا آخر غير أن ديريا مع النظام، لا بد أن تكون مع النظام وأن تظهر ولاءك للحكومة فإنك ستصبح نائب الرئيس، وزير الخارجية، رئيس جامعة أو مدير مدرسة، يكفيك أن تكون مع النظام! عمه روبلي لم تتقدم مسيرته الحياتية مثل ديريا ونجييي، هو فقط موظف حكومة منذ الاستقلال، ليس هناك حاجة إلى ثقافته وخبرته وشهادته الجامعية، وتعتقد الحكومة أن لدى المثقفين آراء ضد الثورة فلذا لا يستحقون أي ترقية.

هكذا ناقشت الرواية الأوضاع التي كانت في الصومال خلال الثورة 21 أكتوبر، فكل مثقف هو سجين آرائه، وكل ناشط مع النظام يحظى بالترقية ولو لم يكن لديه أدنى شهادة. الأوضاع تزداد سوءًا وتبدأ الجبهات معركتهم ضد النظام حتى تنهار الدولة في سنة 1991. ناقشت الرواية أيضًا جانب التطرف الديني الذي بدأ في الصومال في الثمانينيات.

كتبت روايات أخرى باللغة الصومالية تناولت نفس القضايا التي تناولتها الرواية السابقة. ومن القضايا المهمة التي أصبحت تحت التركيز في هذه الروايات القبلية التي انتشرت في الصومال بشكل مدهش. هناك أيضًا روائيون صوماليون نشروا رواياتهم بلغات أجنبية، نور الدين فارح هو واحد من أفضل الروائيين الأفارقة، نشر روايات عدة باللغة الإنجليزية وترجمت بعض رواياته إلى لغات كثيرة منها اللغة العربية كرواية الخرائط التي ترجمها سهيل نجم إلى اللغة العربية. وكذالك الكاتبة الشابة نظيفة محمد نشرت أيضًا روايات عدة باللغة الإنجليزية كما نشرت الروائية زهرة مرسل روايتها (عين أجوران) باللغة العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات