من بدايتها كانت الصومال رائدة لعلم الديمقراطية في القارة السمراء، لأنها هي الوحيدة التي كانت ترحب بالديمقراطية بسدة الحكم وبنظام تعددي الأحزاب وتداول السلطة عبر الانتخابات السليمة في وقتها. حينها أفرزت الحملة الانتخابية التي تجري في الصومال منذ الاستقلال إلى تحالفات قبيلة ومنادات إقليمية نسلية، وما إلى ذلك، فكثير من الوقائع السياسية الصومالية كونها مرشحًا للرئاسة أو الولاية، صاروا يختارون تحالفات قبلية فمات عنصر المبدأ والديمقراطية، وهل هذا العنصر المبدأ موجود في الساحات الصومالية؟

إن الظواهر التي تتبين صفات المجتمعات الصومالية بأن عنصر القبلية أقوى في الساحة، ويسهل الوصول بها إلى قمة الدولة، ثم يجري التحالف بين السياسي والقبائل، لا على أساس المبدأ والاستراتيجية، فيضربون بأفواههم أبواق الإعلام فينادون بأعلى صوتهم على أنهم درب مصلحة البلاد، فترى سياسيًّا يتكلم أمام حشد من الجمهور، ينادي بأسماء القبائل.

ومن العجائب والعادات التي ظهرت في مجتمعنا تجاه الانتخابات المتعاقبة أنهم يؤيدون ويتابعون إذا كان رئيس الدولة أو رئيس الوزراء ينتمي إلى قبيلته، وفي الوقت نفسه يعارض الحكومة التي قبلها بأنها فاسدة، أو أنها ليست شيئًا من القيمة الحكومية، أضف إلى ذلك أن انعكست القبلية على الصوماليين من حيث السلوك والأسلوب؛ إذ باتت مسيرة تنتهي في دوامة الصراع والنزاع، فيعتقدون طبيعيًّا أن رئيس البلاد يمثل قبيلة، فصارت كل قبيلة تدافع عن ذويها وقبيلتها التي تمارس السياسة من زاويتها، بسبب أن التدين والرابط هو القبيلة، ومات عنصر المبدأ والاتجاه، فينقض استراتيجية البلاد بمعول القبلية.

فالسؤال الذي يطرح نفسه؛ هل من الممكن أن نحول القبلية الصومالية إلى الديمقراطية الحرة؟ وكيف نحول انتخابات الفزعية القبلية إلى انتخابات ديمقراطية؟

ولماذا تكررت المفاهيم القبلية والطائفية في الانتخابات الصومالية منذ الاستقلال؟ بما يقارب نصف قرن يمكن ممارستها إلى الديمقراطية التي من المفترض أن تذوب وتصهر كل الصوماليين، وتتركز السلطة للدولة ومن يمثل مصالح الوطن من المرشحين؟

هنالك أمور كثيرة أدت إلى إخضاع روح القبلية والطائفية، ومن أهم هذه الأمور، الفهم الخاطئ لمفهوم الدولة، وهذا يعني تصنيف المجتمع الصومالي بأن معظمهم رعاة، هم يرون واقع الدولة ومفهومها المعاصرة بفهم البدوي والقروي، وأن طبائعهم وتعاملاتهم على أساس الأعرابي الذي يعتقد الغلبة والنصر بهزيمة من ضده، لا يعرف التنازل والتفاوض الحضاري.

لماذا لم يحدث التحول الديمقراطي المطلوب في الصومال نحو الأفضل؟

قد يعود السبب إلى فقدان وعدم توفر تيارات فكرية ديمقراطية صادقة، والتي تقود نحو حصول الممارسة الديمقراطية الحقيقية، فالتيارات السياسية المتتالية في الصومال مثل المدنيين والعسكريين والطائفين والانتقاليين كلها تيارات صومالية إقصائية، فكل واحد منهم يرفض قبول الآخر. كذلك لم يؤسسوا حركة فكرية تدعو للمبادئ الوطنية والديمقراطية الموجودة والتي هي أساس دولة مدنية ركنها الدستور والعدالة والقانون والمساواة وغير ذلك. واضح أن فقدان العدل والمساواة هو الذي سبب فقدان الانتخابات الديمقراطية والحصول على انتخابات قبلية أو طائفية.

إن استمرار الوقت وتعاقبه سبب من أسباب انحراف ثقافة المجتمع، فمثلًا «السلاطين» الصوماليون الأوائل هم مسؤولون عن ثقافة مجتمعهم، حيث يعادلون بينهم، ويرثون المنصب السلطان كابرًا عن كابر، فكان هذا المنصب يمثل رئيس الدولة آنذاك، ولكن سرعان ما يحدث أن الوقت قد تغير، فمعظم شيوخ العشائر الآن يمثلون آلة تدفع السياسة وتحرك الدولة ويوجهونها إلى أي جهة تتجه السياسة ما يضمن مصلحتهم، أضف إلى ذلك فإن السلاطين هم عمال السياسيين، وهذا عيب على تقاليد الصومال.

وفي نهاية المطاف؛ أن تداول السلطة عبر تقاسيم العشائر في النواب لا تستغني عن الصومال تطورًا وتجسيدًا. وأخيرًا نرى أن إصلاح الديمقراطية وإحياء روح المبدأ في الصومال يحتاج إلى عمل ومجهود كل القوى السياسية التي تؤمن فعليًّا بالديمقراطية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد