الصومال ذلك البلد الذي مزقته الحروب؛ لم ينتحب، الصومال ليس عقيمًا، بل ما زالت جذوره تنبتُ الحب، وما زال كفوفه بالحبر يُخضب؛ ليكتب على جدران التاريخ يومًا ما، سينقشع الضباب، الصومال ذلك البلد الذي يُسلط الضوء على جوانبه المعتمة، لديه من المساحات المضيئة ما يستدعي الوقوف عندها.

مهما كثُرت الجراح في الصومال، ومهما خيم الظلام؛ فحتمًا ستشرق يومًا ما شمس الصباح، ومهما حاول الأوغاد بأن يقرعوا طبول الحرب، فسيعزف الشعب النشيد الوطني للسلام، ومهما حاولوا أن يشيعوا الهدم، فسينهض الشعب من تحت الركام، رافعًا رايات السلام، وستدب الحياة من جديد في جسد هذا الوطن.

هذا الشعب لن ينحني أمام من يمجدون الموت، فمع كل موت ميلاد، ومع كل محاولة لاجتثاث الجذور، وإقحام الصومال بصراعات لا تمت له بصلة؛ تُزرع شجرة الصمود، لتؤكد بأن الصومال سيقف على مسافة واحدة من الجميع.

وما بين الصورة ونقيضها هناك أوهام تتبدد، وأفق جديدة تتفتح، فإذا ما طرحت سؤالًا استبيانيًا حول الصومال؟ فربما تبادرت إلى الأذهان تلك الأسئلة المتشحة بالسواد، مستحضرة كل ما له صلة بالصومال، ولكن إذا ما كان السؤال محددًا بشكل أكثر نحو؛ كم كَاتبًا تعرف في الصومال؟ فسنجد بأن قلة هم من يعرفون أسماء بعينها، في حين أن قلة الإسهامات لا تنفي مطلقًا حقيقة وجود عدد لا بأس به من الكُتاب الصوماليين، الذين أبحروا عبر إمدادهم في كافة الميادين.

حيث إنك إذا لم تكتب يعني هذا أن تكون بلا ذاكرة، وبلا ماض، ولا حاضر، ولا مستقبل؛ فالكتابة هي التفاتة للخلف، وتأمل في الماضي المنصرم؛ للاستفادة من دروسه، وربطه بالواقع المعاش؛ لاستشفاف ملامح المستقبل، وأن تقرأ عن ما تجهله، ولا تكتفي بالصورة النمطية الشائعة، يعني بأن تتذوق نكهة المعرفة، وأن تغوص في أسبار الكتب؛ لتستخرج كنوزها المدفونة.

القراءة هي حتمًا رحلة سفر مجانية، ودون أي تأشيرة للدخول إلى عالم المعرفة؛ لذا يجب بأن نسعى لتأمين ما يسد رمقنا، ويروي ظمأنا المعرفي، متيقنين بأن شعبًا يقرأ لا يجوع، فكم من بطون ممتلئة تصاحبها عقول فارغة، وفي غمرة تبدل أحوال الصومال، على الصوماليين بأن يطمحوا للعودة لأمجادهم، فالشرارة التي ينطلق منها الإنجاز فكرة، وبداية الغيث قطرة، ونستطيع بأن نخط، ونوثق بحبرنا تاريخًا، يؤكد بأن للزمان دوره، وبأن نزرع بوحدتها بذرة، نجني حصادها ثمارًا ندية.

وبالعودة إلى السؤال السابق، فلعل من أبرز المؤلفات القيمة، والجديرة بالذكر، والتي تجيب عن هذا السؤال «كتاب معجم المؤلفين الصوماليين بالعربية»، للمؤرخ الصومالي الكبير الدكتور «محمد حسين معلم علي»، والذي يحتوي بين طياته على أسماء لمؤلفين صوماليين، قديمًا وحديثًا؛ وهو نتاج زاخر يبرز الجانب الثقافي في الصومال، ويوثق ويجمع جهود المؤلفين الصوماليين، الذين كتبوا بلغة الضاد.

أثار الكاتب في كتابه عدة قضايا، مثل علاقة أهل الصومال باللغة العربية؛ ويقول الكاتب في هذا الصدد: «نريد أن نشير إلى أن اللغة العربية، لم تكن غريبة ودخيلة، في بلاد الصومال، في العصور الحديثة، بل كانت العربية متواجدة في محافل كثيرة قبل ذلك»؛ حيث يبين الكاتب على تغلغل اللغة العربية في التعليم، والتجارة، والمراسلات، والقضاء، وفي النشاط البحري والطب.

«ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن النشاط العادي أحيانًا كثيرة كان يتم باللغة العربية؛ بسبب فقدان لغة أخرى في الميدان؛ لأن اللغة الصومالية المحلية لم تكن قد كتبت، بل كانت لغة شفهية، لا لغة مستخدمة في الكتابة، كما هو معلوم، غير أنه لما جاء الاستعمار الأوربي، ولاحظ مكانة اللغة العربية في المجتمع الصومالي، رأى بأن ذلك خطر على مخططاته، ومن ثَمَّ شرع في سبيل إضعافها، بل وتشجيع غيرها؛ لتحل مكانها، ومن هنا مرت العربية في الصومال، فيما بعد بفترات كان فيها محاولات للإزاحة، وتقليص دورها، وذلك خلال عهد الاستعمار، الذي فرض سيطرته على جميع مجالات الحياة، واستطاع إدخال الصومال في نمط التعليم المنظم، الذي كانت بالطبع الدراسة فيه بلغة المستعمر؛ مما نتج عنه نتائج أضعفت اللغة العربية، بل وإبراز غيرها في الساحة الثقافية الصومالية، والتي كان يساندها المستعمر ماديًا ومعنويًا».

«وفي عهد حكومة 21 أكتوبر، لم يتغير طموح الشعب الصومالي، وانتماؤه للغة العربية، باعتبارها هوية ثقافية ودينية، بل أصبحت العربية لغة الشعب الصومالي الثانية، بنص الدستور الوطني آنذاك».

ثم تطرق الكاتب لمؤلفين لهم أصول في المنطقة مبينًا ذلك فيما يلي: «ومن خلال قراءة كتب التراث الإسلامي؛ يرى القارئ بأن هناك نخبة من العلماء المؤلفين، يشار إليهم بالبنان في بعض البلدان الإسلامية، في العصور الوسطى والحديثة، لهم أصول في بلاد الصومال، رغم أنهم صاروا جزءًا من مجتمعهم الجديد، إلا أن سيرتهم وتراجمهم لمن جاء بعدهم تشير بأنهم من أبناء منطقة القرن الإفريقي، وبالذات بلاد الصومال، ومن هؤلاء: فخر الدين الزيلعي، عثمان بن علي بن محجن البارعي».

ثم عرج الكاتب إلى الإشارة لمؤلفين قد عاشوا في المنطقة، مثل أولئك العلماء من أصحاب التأليف والإبداع، الذين جاءوا إلى المنطقة لأسباب مختلفة في فترة من فترات حياتهم، وليس لهم أصول في المنطقة، ومن هؤلاء العلماء الوافدين إلى بلاد الصومال العلامة الشيخ «أبو بكر بن عبد الله العيدروسي»، الذي قدم بعد موسم الحج عام 914، والعلامة «أبو الربيع سليمان بن موسى بن سليمان بن علي»، وقد وصل إلى منطقة رون في القرن الإفريقي.

كذلك وضح الكاتب حقيقة فقدان الكثير من الكتب التي وضعها أهل الصومال، وضياع مصادر تاريخية، وحضارية، ومدى قلة التأليف في الصومال، ويعزو الكاتب فقدان عدة كتب؛ لاندلاع الحرب الأهلية، وضياع مصادر تاريخية، لعدة أسباب منها؛ السيطرة البرتغالية على المنطقة، وهجماتهم على بعض أجزاء جنوب بلاد الصومال، التي كانت غنية بمراكز تشع بنور العلم والمعرفة، ولا شك بأن ذلك له أثر سلبي على عملية الإنتاج، بعد اختفاء بعض المؤلفات والكتب؛ لأن البرتغاليين حين أحرقوا بعض هذه المراكز في براوة ومقديشو، أحرقوا من ضمن ذلك بعض المخطوطات، والكنوز العلمية؛ التي كانت تزخر بها هذه المدن والمراكز، ومن هنا حصل ما حصل للتراث من الإهمال، والنهب، والإتلاف من قبل الغزاة الأوربيين.

كما ذكر كتبا لا يُعرف أسماء مؤلفيها، ولكن مع البحث والتدقيق تم التوصل بـأن مؤلفيها هم من أهل الصومال مثل كتاب «سر الأسرار في مناقب الشيخ نور حسين» و«كتاب الزنوج»، ولم ينس الكاتب كذلك دور المرأة الصومالية، وبيان مدى إسهامها العلمي، والثقافي، موضحًا «وفي الأدب الصومالي اعتلت الأخوات عرش فن البرانير، وأغاني الأطفال دون منازع، أما وجود النساء في النصوص الأدبية فحدث ولا حرج، حيث إن أدبنا الصومالي مليء بذكر النساء، وكذلك الأدب العربي، بدليل أن القصص الأسطورية، أو ما يسمى الحدوتة، وما يتعلق بها من النصوص المختصة بذلك المضمار؛ أخذت النساء في الصومال المساحة الواسعة والكبيرة».

كما لم يكتفِ الكاتب باستعراض الجهود الفردية بل اهتم بذكر المؤلفات التي اشترك مجموعة من الباحثين الصوماليين في تأليفها، مثل كتاب «تاريخ التعليم في الصومال»، حيث اشترك في تأليفه وإعداده نخبة من المثقفين الصوماليين، أمثال الدكتور «أحمد جمعالي محمد، إضافة إلى كل من: محمد علي عبد الكريم، عبد القادر شيخ عبد الله، عمر علسو أحمد، عبد القادر شيخ يوسف»، وهؤلاء الكتاب استطاعوا أن يخرجوا مؤلفًا يتناول جميع مراحل التعليم بدءًا من التعليم غير النظامي، والتعليم في عهد الاستعمار، وبعد الاستقلال، وفي ثورة 21 أكتوبر.

وكتاب «الطريق إلى الدولة الصومالية» لكل من؛ «محمد حسين معلم محمد نور جعل، ومحمد شريف محمود، وإبراهيم قاسم فارح، وبشير معلم عبد القادر».

وكتاب «الإسلاميون الصوماليون من الهامش إلى مركز الأحداث»؛ والكتاب عبارة عن تقرير علمي، يتحدث عن المجموعات الإسلامية في بلاد الصومال، وأطوارهم في التاريخ الصومالي الحديث، ويتكون الكتاب من عدة محاور بحثية، وضعها مجموعة من الباحثين القديرين، وغيرها من الكتب.

كما يعد كتاب «معجم المؤلفين الصوماليين»، مفهرسًا حسب الحروف الأبجدية، حيث تبلغ عدد صفحاته 664 صفحة، وما بين حرف الألف وحرف الياء ينقل لنا الكاتب مستعرضًا أبرز المؤلفات والمؤلفين الذين كتبوا بلغة الضاد، مع ذكر نبذة عن الكاتب، ولا تسعفني المساحة لذكرهم جميعًا هنا، ولكنني سأنتقي بعض النماذج على سبيل الذكر لا الحصر، ومنهم الكاتب «أنور أحمد ميدو»، وله عدة إصدارات منها، كتاب «مراجعات استراتيجية في الصومال»، وكتاب «أثر الأزمة السياسية على التيار الإسلامي في الصومال»، و«ينابيع الحكم أبيات شعر في الحكم والوعظ ومكارم الأخلاق»، وكتاب «نيل الآمال في أعلام الصومال»، وكتاب «القبائل الصومالية النشأة والتكوين والتطور».

والأديب «محمد ديريه»، والذي قد أصدر كتاب «إلى كراكاس بلا عودة»، و«جوع الضفاف». والكاتبة «زهرة مرسل»، والتي أصدرت كتاب «آجوران عين إفريقيا»، و«أميرة مع إيقاف التنفيذ».

كما يوجد الكثير من الكُتاب الصوماليين الذين لديهم إصدارات منشورة باللغة الصومالية، أو بلغات أخرى غير العربية، لم يرد ذكرهم في هذا الكتاب؛ لكونه مخصصًا لمن يكتبون باللغة العربية.

كما يوجد كُتاب آخرون هم بصدد إصدار باكورة أعمالهم، وتميزوا بكتاباتهم الإبداعية؛ مثل الكاتب «محمد الزيلعي، وحسن قرني، وعبد الله آدم، وعواله سعيد، وعمر باشا، وعمر علمي»، ففي الصومال هناك كتابات لا تشبه غيرها، ونصوص من فرط جمالها لا يُكتفى بأن تقرأها مرة واحدة، ولكن لم يسلط عليها الضوء؛ حيث إن الإعلام العربي يجيد دائمًا تسليط الضوء على الجانب المعتم من الصومال، ولكن ستظل تلك الكوكبة مثل النجم المضيء في سماء العتمة؛ ليؤكد بأن للصومال تاريخًا، وإرثًا، وحضارة، ستعود من جديد بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد