رُب متواضع ملهوف حكيم لا يستفاد من حِكَمه، ورُب متكبر متخم ساذج يطلب منه الحِكَم وما عنده حكمة واحدة! أقول وأكرر لو سأل الصوماليون هذه المرة المتواضعين الحكماء منهم، وأخدوا الحِكم من أفواههم، وانتخبوا رؤساء ليسوا متكبرين.

فالصومال يشهد منذ عقدين ونصف من الزمن موجة من الاضطرابات والقلاقل السياسية، وأيضًا الحروب الدامية بدءًا من تلك القبلية منها، وصولًا إلى المذهبية والأيديولوجيَّة، وحتى الآن لم يهدأ لنا بال مع وجود حكومة معترف بها دوليًّا.

ربما يتساءل القارئ البعيد عن الشأن الصومالي: «ما هي المشكلة القائمة اليوم في الصومال؟»، يوجد برلمان وحكومة ورئيس جمهورية، بالإضافة إلى عدة حكومات إقليمية تابعة للحكومة الفيدرالية، فضلًا عن الدعم العسكري الأفريقي، والدعم السياسي والمعنوي والمالي الأممي، والأوروبي، والعربي للحكومة المركزية.

مع هذا وذاك، فإن المشكلة الصومالية ما زالت هي من أعقد وأصعب المشكلات السياسية في القرن الأفريقي، بحيث يوجد حالة من الشك المتبادل بين القبائل من جهة، وبين بعض الحكومات المحلية والحكومة الفيدرالية من جهة أخرى.

وباختصار، فإن مشكلة الصومال القائمة اليوم هي: تكبر واحتقار الساسة على غيرهم من المواطنين، وترفعهم عن قبول الحق منهم، مع علم بعضهم بحديث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ».
ومن المحقق أن غالبية الصوماليين تعبوا من الحروب والصراعات والخلافات السياسية، وبدأوا محاولات البحث عن سبل النجاة من المأزق الحالي، وما وجدوا حتى الآن، وظهرت مؤشرات الفشل حول الوصول إلى اتفاقية محمودة تجلب البلاد إلى الاستقرار والسعادة.

ويرجع عدم قدرة السياسيين الصوماليين على الوصول لاتفاقية محمودة، إلى سببين رئيسيين وهما: الأول: التكبر السياسي والإعجاب القبلي اللذان يظهران على تصريحات السياسيين في أغلب الأحيان، والثاني: التدخلات الأجنبية التي تمنع اتفاق الصوماليين من وراء الستار.

لم يعدل الصوماليون فيمن يُختار لقيادة البلاد، وغالبًا ما يتم اختيار سياسيين متكبرين لا يتصفون بالتواضع المحمود منه، مما يؤدي إلى استياء المواطنين من تصرفاتهم الخارجة عن الأخلاق الحميدة، التي من بينها إظهار المرونة للرعية، وللاستماع لكلمتهم وشكواهم.

ففي شهري سبتمبر وأكتوبر 2016، ستجري في الصومال الانتخابات، أي انتخابات مجلس الشعب الجديد من قبل ممثلين من القبائل الصومالية، وانتخاب الرئيس الجديد من قبل مجلس الشعب. فـ25 من شهر سبتمبر 2016، هو الموعد النهائي لانعقاد انتخابات أعضاء مجلس الأعيان، بينما ينتخب ممثلو القبائل أعضاء مجلس الشعب ما بين 24 سبتمبر و10 من شهر أكتوبر 2016. ففي 25 من أكتوبر، ستتم انتخابات رئيس البرلمان ونائبيه، بينما ينتخب مجلس الشعب الرئيس الجديد في 30 من شهر أكتوبر 2016.

فلينتخب ممثلو القبائل برلمانيًّا حكيمًا متواضعًا، لينتخب هو بدوره رئيسًا جديدًا لا يتصف بالتكبر واحتقار المواطنين، خالصًا من الفساد، واللعب بأموال البلد والضرائب التي تتقاضاها الدولة من الشعب الصومالي.

التكبر

التكبر ظاهرة معروفة لدى الجميع لكن لم يدرك أغلب المجتمعات في العالم مساوئ هذه الظاهرة الخبيثة، وما تسببه من كراهية بين المجتمعات، أو بين المواطن العادي، والرؤساء والساسة الآخرين.

ورأي علماء النفس: أن المتكبر إنسان يشعر بالنقص؛ فيريد أن يكمل نقصه بالتكبر ليجد من ينظر إليه، فهو تعويض لنقص ما عند الشخص، والتكبر يجعل الشخص يظن أنه أعلى البشر كافة، و في الواقع أنه بشر مثلهم من دم ولحم، يمرض ويضعف ويموت مثلهم.

أسباب التكبر: ولما كان التكبر «الإعجاب بالنفس»، المؤدي إلى احتقار الناس والترفع عليهم، فإن أسبابه التي تؤدي إليه، وبواعثه التي ينشأ منها، هي بعينها: أسباب وبواعث الإعجاب بالنفس، والغرور، ومنها:

1- العلم: ما أسرع التكبّر إلى بعض العلماء أو المثقفين، فلا يلبث أن يستشعر الواحد منهم في نفسه كمال العلم؛ فيستعظم نفسه ويستحقر الناس ويستجهلهم، وسواء أكان العلم شرعيًّا أو ماديًّا.

2- الكبر بالحسب والنسب: فالذي له نسب شريف يحتقر من ليس له نسب، حتى وإن كان أرفع منه علمًا وعملًا، وهذا من أفعال الجاهلية التي نهى الشرع عنها.

3- الكبر بالمال: فهذا يحصل بين كثير من الأغنياء المترفين، في لباسهم ومراكبهم ومساكنهم، فيحتقر الغني الفقير، ويتكبّر عليه بهذا السبب.

4- التكبّر بالمنصب: وهذا يحصل من بعض من يتولّون مراكز مهمة ورفيعة في الدولة، فيرى أنه أفضل ممن دونه فيحتقره، وربما رأى أن الواجب ألا يتصل به الناس مباشرةً، بل لا بد من وسيط بينهما، أو ينظر إلى من تحته من الموظفين نظرة احتقار، وإذا نُصِح أعرض وسخط على من نصحه، ولم يمنعه من قبول النصيحة والتوجيه إلا الكبر.

والتكبر مذموم شرعًا، ويوجد كل أسبابه في الصومال وفي العالم أجمع، والأولى للصوماليين الذين يتصفون بالكبر والإعجاب التوقف عن هذه الظاهرة التي تخلق الحسد، والبغض، والكراهية في قلوب الناس.

وقال علي بن أبي طالب: «عجبت لابن آدم يتكبر، وأوله نطفة وآخره جيفة». وقال المأمون: «ما تكبر أحد إلا لنقص وجده في نفسه، ولا تطاول أحد إلا لوهن أحسه من نفسه».

التواضع

هو إظهار التنزل عن المرتبة لمن يُراد تعظيمه، والتواضع صفة محمودة تدل على طهارة النفس، وتدعو إلى المودة والمحبة والمساواة بين الناس، وينشر الترابط بينهم، ويمحو الحسد، والبغض، والكراهية من قلوب الناس.

والتَّواضُع نوعان: أحدهما محمود، والآخر مذموم. والتَّواضُع المحمود هو: ترك التّطاول على عباد الله والازدراء بهم. والتَّواضُع المذموم هو: تواضع المرء لذي الدُّنْيا رغبة في دنياه. والتواضع الأول هو المطلوب من الساسة، ويظهر التواضع المذموم على السياسيين الصوماليين، تواضع للتدخلات الأجنبية ورضوخ لإِملاءاتهم التي لا تميل أصلًا لصالح الصومال.

ويقول المثل العربي: «لا يتكبر إلا كل وضيع، و لا يتواضع إلا كل رفيع». ويقول مثل عربي آخر: «كلما ارتفع الشريف تواضع، وكلما ارتفع الوضيع تكبر». ويقول مثل يوناني: «التواضع اجتلاب المجد واكتساب الود».
لو لم يسأل الصوماليون السياسي المتكبر الذي يحقر المواطنين ويترفع عليهم، أو شيخ القبيلة الذي أعجبته قبعته وعصاه، أو رجل الدين، أو المثقف الذي غرره علمه، أو الثري المتخم الساذج، وسألوا كل حكيم متواضع يدعو إلى المودة والمحبة والمساواة بين الناس، لصلح حالهم ولوجدوا ضالتهم التي هي الأمن والاستقرار.

وينبغي على كل المسئولين الصوماليين ترك التكبر، والرجوع إلى التواضع بمعناه الصحيح، وعدم إشغال المواطنين بخطب عبر التلفزيون والراديو وغير ذلك، بحيث اعتاد المسئولون في البلاد محاولة إقناع المواطنين باللسان الفصيح. لكن فليتذكروا أنّ عليهم أن يُحسنوا الاستماع أكثر ما يُحسنوا الكلام.

نعم، الفصاحة والبلاغة من أهم الصفات التي يحرص كلّ شخص على التحلي بها، لما لها من أهمية في جميع مجالات الحياة، فكلما كان الإنسان متكلمًا كان له تأثير وجاذبية لدى الآخرين، لكن من العار كون المسئول متميزًا بالبلاغة والفصاحة في الحديث، فاشلًا في الأداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صومالي
عرض التعليقات
تحميل المزيد