فن الممكن (السياسية) الفن الذي لا يعرف صديقًا ولا عدوًا، بحيث يتطاغى السياسيون كالموج ويتدافعون في هذه الساحة التي تتميز عن غيرها، بكون الثابت الوحيد فيها هو التغير المستمر لكل شيء ، الفطن والماهر هو الذي لديه الحدس وسرعة بديهة لالتقاط متقن ودقيق لوقت حدوث تلك التغيرات، وبمقدرته إدراك مسار التغيرات مع من يتعامل معه من القوى المدنية والإقليمية وقراءة الإشارات والتغيرات قبل حصولها، وتنفيذ الغاية الرئيسية بعد الأخذ بالعلامات الواضحة في الوقت الموافق والمناسب، لأن من عجائب السياسة اعتبار وقوع هذه التغيرات هو أمر حتمي وواقعي ولا بد منه. لذلك المفهوم الجوهري للرئيس أم الزعيم حسب رؤيتي الشخصية هو الوسيط بين هاتين القوتين، والذي يقوم ويجيد ممارسة هذا الفن الذي ينافي ويختلف عمن يقوم بما يسمى الخدمة، لذلك لا يعد كل سياسي في المشهد السياسي فنانًا يتقن استخدام أدواتها، بحيث يستطيع باحترافية احتواء المواقف وتغير الوقائع وإنشاء واقع وأفكار جديدة بكل تفاصيلها، وقابلة للتصديق ويعطي انطباعًا حقيقيًا ليقوم بعرضها على درجة القمة من الإبداع في المستوى.

المرشحين الأفر حظًّا على الرئاسة اكتسحوا ساحة المنافسة بقوة رهيبة ملهمة، لذلك سأتابع الجزء الأول من هذا القسم وأقدم الأيقونات السياسية في الصومال التي لها وزن وثقل كبير في صنع القرار السياسي، والتي سأكملها في الجزء الثالث.

3- شريف شيخ أحمد

المرشح شريف شيخ أحمد شخصية مثيرة للاهتمام، فهو رئيس أسبق للصومال، له ثقله السياسي ويترأس الآن اتحاد المرشحين لرئاسة المعارض، كانت له وما زالت شعبيته كبيرة بين الشعب، كان مؤسس المحاكم الإسلامية وترأسها، وهي حركة هزمت أمراء الحرب ووحدت البلاد تحت إدارتها لمدة ستة أشهر لمست قلوب ملايين من الشعب الصومالي لما حظي به من أمان كان يفتقده حتى الغزو الإثيوبي وانشقاق حركة الشباب، يعد مرشحًا رئاسيًّا مثيرًا للجدل، حيث اتهم سابقًا بالإرهاب، وطرد إلى الخارج ليعود وينتخب ليحكم البلاد ويصبح الرئيس السابع لدولة الصومال، لذلك يمكن القول إنه المرشح الوحيد الذي حكم الصومال في أوقات عصيبة، قدم فيها تنازلات عويصة وباهضة ضد مصلحة الصومال عندما استغلت كينيا سعي الصومال والمجتمع الدولي إخراج الصومال من المرحلة الانتقالية ووقعت مع الحكومة الانتقالية بالوثيقة المعروفة بخريطة الطريق لإنهاء المرحلة الانتقالية، حيث كانت مسألة ترسيم حدود البحرية مع كينيا أساس تلك الوثيقة وتم التوقيع على الوثيقة من قبل الحكومة التي يترأسها شريف شيخ أحمد.

المرشح شريف شيخ أحمد سياسي ذكي، موافقة الحكومة الانتقالية على تلك الوثيقة ربما تعد مراوغة نزيهة تصنف ضمن جهود الإلغاء للمرحلة الانتقالية والحصول على دعم من الأمم المتحدة التي سعت جاهدة إلى منح الصومال مؤسسات دائمة وحكومة مركزية حقيقية التي كان يفتقر إليها الصومال في ذلك الوقت لتحقيق السلام الدائم والاستقرار للبلاد وإنهاء حالة الفوضى، وهو ما يملكه الصومال الآن فهي قادرة اليوم على اتخاذ قرارات سياسية ومواقف حاسمة وبارزة تصب في مصلحتها، والمرشح الرئاسي مدرك أن الموقف والحالة اختلفت وتغيرت، وأن الصومال في هذه المرحلة تحتاج إلى التغيير، والتعمير، والتكيف مع مستجدات العصر، ودفع مستمر للسير نحو الأمام، لا اعتراض على أي مواقف سياسية سابقة ولكن محاولة توضيح الأسباب التي قد تؤدي لمثل تلك القرارات الصعبة والمصيرية ما هي إلا وسيلة لفهم، وربما لأخد العبر من كيفية احتواء المواقف التي أدت الى فترات مؤلمة لدولة عانت من اعتداءات مستمرة وعنف من زيادة نفوذ حركة الشباب بها واستمرار القتال لحقبة طويلة ونزوح المدنيين عن موطنهم، ربما عبر ذلك الاتفاق الصومال تجاوزت مرحلة الاعتماد على جهاز دعم الحياة، ورغم وجودها في الحد الأدنى من معادلة القوى وتزايد مرحلة ضعف على جميع المستويات، لعل اتخاذ الحكومة الانتقالية القرارات الحاسمة مع مساعدة المجتمع الدولي عن طريق الأمم المتحدة ما هي إلا جهود استثنائية للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف.

السؤال هنا: هل فعل الشيخ شريف شيخ أحمد ما بوسعه للتصدي للطمع الكيني الصريح من أجل تحقيق السلام لدولة الصومال؟ إذا كان جواب نعم، فإنه يستحق الإشادة بمجهوده العظيم، وأن يكون الزعيم الفعلي لدولة الصومال لاحتوائه موقف كهذا.

أما إذا كان جواب لا، من وجهه نظري، أعتقد انه يجب عليه النظر في مسالة ترشحه لرئاسة مرة أخرى.

المرشح الرئاسي فرضت الأوضاع السيئة عليه الكثير من الأدوار خلال فتره رئاسته السابقة التي عرفت بوجود كثير من العقبات والتحديات المستعصية، والأزمات السياسية الداخلية الكبيرة في البلاد التي ربما أثرت بشكل كبير في تشكيل وتكوين شخصيته السياسية بما تحتوي من مرونة وقدرة على التكيف لحيلولة نحو عدم تكرار أي انزلاق للأوضاع السياسية في الصومال.

تمكن المرشح خلال مدة حكمه من توحيد وتحقيق نوع من المصالحة بين الأطراف المتنازعة، غير ذلك يمتلك المرشح شريف شيخ أحمد شرعية شعبية تؤهله للرئاسه، وكذلك يحظى بدعم داخلي واضح وربما خارجي غير مباشر وخصوصًا من الدول السابقة التي كانت معجبة بسياسته وحصل على الرئاسة بمباركتها كالولايات المتحدة الأمريكية، وكينيا وكذلك بعض دول الخليج، فهو برغم عدم سعيه على اكتساب الكثير من الانتباه أو أنه لا يفضل تسليط الضوء عليه بشكل كبير كالمرشحين الأخرين، فإنه يستحوذ على اهتمام واحترام كبير داخل المجتمع الصومالي وفي الدول الإقليمية كسياسي وخصوصًا بعد اتخاذه الرؤية الوطنية شعارًا لحزبه لتمثيل التصور الذي يحمله وأهدافه السياسية، وهو بشكل ما مرغوب لرئاسة الصومال ويعتبر من المرشحين الأوفر حظًا في الرئاسة، وذلك لمدى مثابرته العجيبة التي أظهرها خلال رحلته السياسية الطويلة ورغبته الجامحة بتحقيق تطلعاته السياسية ورؤيته الوطنية لدولة الصومال، التي لم تكتمل بعد لتكافئ صورته ونظرته الشخصية لما لها من أهمية كبيرة لديه، لذلك الفوز برئاسة لها وقع في صميم ومعنى أكبر مما نتخيله بنسبه لشخصه الطموح حيث إن مهمة الترشح للرئاسة والفوز بها ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة.

المرشح شريف شيخ أحمد منافس قوي ولا يستسلم، في جعبته برامج سياسية قوية وغير اعتيادية، فهو يقف في المنتصف بين صومال الأمس واليوم.

لذلك السؤال الأهم هو إلى أين سيقود المرشح الرئاسي شريف شيخ أحمد الصومال؟!

4- حسن علي خيري

ترشح المرشح حسن علي خيري للرئاسة مشابه لرحلة فرماجو الرئاسية، عندما أرغم على الاستقالة عند توقيع الرئيس الأسبق ورئيس البرلمان اتفاقًا في كمبالا عام 2011 لتمديد فترة ولايتهما وينص على استقالة رئيس الوزراء آن ذاك، ونلاحظ وجه الشبه حيث إن نفس الفعل حدث مع رئيس الوزراء السابق حسن علي خيري عندما انقلب عليه فرماجو بطريقة ناعمة بعد دعوة رئيس البرلمان محمد مرسال النواب على حجب الثقة عنه والقيام بعزله في25 يوليو (تموز) عام 2020، قد تكون رحلته الرئاسية ربما مشابه ولكن المرشح حسن علي خيري مختلف عن الرئيس المنتهية ولايته والمرشحين الآخرين ومنافس بارز، وذلك لأن المرشح حسن خيري يريد إحداث تغير جذري، ويحظى بشعبية ضمن الشعب والقبائل والأقاليم وخصوصًا الفئة الشابة والمتعلمة في المجتمع التي دائمًا ما يسعى لاستقطابها ودعمه بشكل كامل ومكثف، ويتمتع بتأييد كبير وملحوظ من جهتهم.

المرشح حسن خيري لديه آمال عالية وكبيرة للصومال، حيث يمكنني تشبيه الصومال بلوحة رماية بمرأى من المرشح حسن علي خيري رائد الأعمال الفطن والملم بأهمية الصومال، فيصوب بدقة متناهية نحو أهداف ذات طبيعة جوهرية، فهو منذ ترأسه لرئاسة الوزراء يسعى لتنفيذ مشروع إستراتيجي متين مبني على فكرة خلق فرص جديدة وجذب بوابة المستثمرين للاستفادة من الموارد والقطاعات الاستثمارية الواعدة في البلاد، وبالتخصيص تمكين المؤسسات المالية وإصلاح البنك المركزي، وتمكين مجتمع الأعمال وتعزيز التجارة المحلية والدولية، وتطوير البنية التحتية لجذب المؤسسات الاستثمارية الدولية، وتقديم وعود للشركات والمستثمرين في مجال النفط رغبة منه في التطوير وخلق فرص العمل، فهو على الرغم من كونه سياسيًّا فهو رجل أعمال بطبعه، له علاقات قوية مع أصحاب رؤس الأموال وله نفوذ واسعة سياسيًا، المرشح يلقى دعمًا وله شعبية في الداخل والخارج وخصوصًا من الدول الإقليمية، كالدول الأوروبية وبريطانيا وتركيا، تعد روابطه وعلاقاته مع الدول العربية محدودة إلى حد ما وفي حدود الدبلوماسية.

يشاع أن روسيا التي تبحث عن موطئ قدم في دولة الصومال لها علاقات جيدة مع المرشح الرئاسي حسن علي خيري.

الشعب الصومالي يسود عليه الطبع القبلي رغم التغير الطفيف في الآونه الأخيره، وبما أن المرشح الرئاسي عمل لفترة طويلة في المجال الإنساني وحقوق الإنسان قد يكون أقرب لفهم احتياجات ومتطلبات الشعب وخصوصًا الفئة الشعبية التي تعد من أكثر الأفراد الذي يؤثر فيه القرار السياسي بشكل كبير نظرًا لظروفهم وأحوالهم الخاصة.

لذلك السؤال هنا كيف يمكن للمرشح جعل الشعب يؤمنون برؤيته ذات السقف المرتفع، والعمل معه لتصبح الواقع والمستقبل؟

الحصول على دعم الجميع والفئات مهمه صعبة وخصوصًا إذا تبلورت وتشكلت ضمن إطار اعتبار المرشح الرئاسي رائد أعمال يسعى لإجراء صفقات على حسابهم.

والسؤال الجدير بإجابة صريحة هو كونه سياسيًا متمكنًا وحذقًا كيف سيوظف السياسية في الموازنة بين أهدافه الهائلة وتطلعات الشعب وآماله من جهة والحصول على الدعم الشامل من جهة أخرى؟!

5- محمد عبدالرحمن علي

اللافت للنظر والاهتمام هو ترشح المرشح محمد عبدالرحمن علي الملقب بـ(سيرين)، هذا المنافس الذي ينافس بكل نعومة مصقولة ولا أقصد بها المعنى المألوف ولكنه الألمعي وذكي في ربط واستخدام أدوات السياسة لصالحه بتحركاته الساكنة، أومن حيث ترتيب أموره لخوض منافسة كاسحة، يعد من المرشحين الجدد على الرئاسة ومؤسس والرئيس الحالي لحزب (كلن)، وقع الاختيار على هذا الاسم للحزب يوضح أهمية الحزب السياسي بحيث يمثل عمود المكان والمجلس الذي سيعيد الصومال إلى أصلها وسنمها الذي بحسب الحزب يعتبرها أن الصومال بطريقة ما انحرفت عنه من الجهه السياسية، ويصف هذا الاعتقاد نظرة وتطلع المرشح للرئاسة بصورة راجحة وسديدة ولدى المرشح إيمان كبير بذلك أو على أقل هذا هو الانطباع الذي نشعر به لأول وهله نحوه، يسعى المرشح بإعادة جمع شمل وتوحيد الصومال مع الجانب المفقود من الوصال العربي خاصة والإقليمي عامة، لذلك لديه دعم وعلاقات وطيدة مع الدول العربية مثل مصرودول الخليج وكذلك يمتلك رابطة ذات قاعدة وأساس متين مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.

تتسم تصريحاته في الإعلام بالرزانة والعقلانية وتوضح الخطوات السياسية التي انتهجتها الحكومة الحالية والتي لا يوافق ويعترض عليها، بحيث يضيف تحليله المنطقي للتعميمات والقرارات الحكومية ونلاحظ نوعًا من الاعتدال السياسي بشخصيته وأسلوبه بطريقة تجعله ضليعًا متمكنًا ومهيبًا من إيجاد حلول معقولة للقضايا السياسية، الأمنية، الاقتصادية، الإنسانية وتشمل تأثيرات جائحة كورونا، وكذلك الانتخابات الفدرالية، وطرق التصدي لمجمل الأزمات، بحيث يصيب عصفورين بحجر واحد بمعنى يرضي الأطراف المعنية كلها، ويحقق ما يصب في منفعة الصومال بشكل عام ومصلحتها.

المرشح الرئاسي حائز على شعبية كبيرة ضمن الشعب بسب حزبه الوطني الذي يطلع للوصول للحكم بصورة سلمية ويتعاطف مع الشعب ويشاركه في جميع المضاهرات، التي تعبر عن سوء الأحوال في الدولة والقطاعات الخاصة سواء التعليم ام الصحة، المرشح عاش وتابع بعمق وما زال يتابع بعناية تطورات الأحداث داخل البلاد، حيث قضى في الصومال فترة طويلة، فرص المرشح للفوز برئاسة الصومال على المستويات القياسية للنجاح، ولذلك ربما ما يفصله عن رفع راية الفوز والانتصار هو الإعلان عن النتيجة النهائية.

6-عبدالكريم حسين جوليد

يترشح المرشح للرئاسة للمرة الأولى، شغل منصب حاكم ولاية وإقليم جلمدغ حتى تم حجب ثقة عنه من قبل 46 نائبًا، ورفض هذا القرار واعتبره غير قانوني حتى قدم استقالته، شغل منصب وزير الداخلية والأمن الداخلي في الحكومة الفدرالية الصومالية، له شعبيه كبيرة ضمن المجتمع الصومالي وخصوصًا أنه مدعوم من قبل وجوه ثقافية وسياسية وشبابية ذات وزن ثقيل في أوساط المجتمع، تعهد بتصفير المشاكل الداخلية والخارجية واتباع سياسة إنهاء العداوات وتبادل المنافع والمصالح، يدعم الرئيس المرأة بقوة ويؤكد على دورها السياسي وتشغل حيز كبير في حزبه الذي اتخذ من سهن اسمًا له، سهن وهي كلمة صومالية تعني ذو البصيرة، وتوحي بأن رئيس الحزب يعطي انطباعًا على أنه ملم وعلى قدر كبير من المعرفة بحالة وأوضاع داخل الصومال.

خبرته العملية في الوسط السياسي ووجوده وقت زمني كبير داخل البلاد تعطيه الأفضلية من ناحية الشعب، بسبب رغبة الشعب الصومالي وطبعه المتمثل بالإيمان أن كل رئيس جديد وخصوصًا إذا كان من أبناء البلد ولم ينشأ في الخارج يسعى إلى إحداث تغيير وأقرب لفهمه وتلبيه احتياجاته، المرشح مدرك وقادر على التعامل بحكمة مع القبائل في الأقاليم المختلفة والشعب الصومالي الذي له باع طويل في فهم توجهاته ونظامه، الكثير من دول الإقليمية معجبة بطموحاته السياسية مثل إيطاليا وتركيا ودول الخليج إذا فاز بالرئاسة أعتقد أنه سيحظى مثل كل رئيس جديد بفرصة عادلة للحكم إما بإحداث تغيرات جذرية أو الركود بالدولة، يشاع أنه ربما تكون لديه ظروف صحية خاصة، وأنه خضع لعملية جراحية في القلب عام 2016، يبدو المرشح رئيسًا مثاليًّا للدولة ما لم تقف صحته عائقًا لترشحه.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد