شهدت الصومال منذ بداية القرن العشرين وحتى الآن أحداثًا جسامًا متلاحقة، وظلت الصومال القضية المركزية للقرن الأفريقي، ولكنها لسوء الحظ لم تنل النصيب الأوفر من الاهتمام الأكاديمي.
وفي خضم هذه التحديات أصدر الدكتور عبد الرحمن عبد الله باديو كتابًا بعنوان «تاريخ الصومال.. رؤية تحليلية جديدة» المجلد الأول، لعدد صفحات بلغت (288) صفحة، ومن طباعة دار العلم الحديث (إسطنبول).

وهذا الكتاب من أهم الكتب التي تتحدث عن تاريخ الصومال القديمة والحديثة، حيث يشرح بداخله، ويسلط الضوء على العديد من الوقائع التاريخية للصومال من زوايا مختلفة، وهو مَنهجٌ جديد قلما نعثُر عليه في كتب الأقدمين، والتي كانت تحرص دائمًا على تناول الأحداث الصومالية من زاوية سياسية فقط، إذ إنَّ الأخبار السياسية، وأخبار الحروب في نظر البعض لا تُفصِح عن العقول الصوماليين خلال العقدين الماضيين أية حلول وحكمة.

ويعد هذا الكتاب ذات الحقول المتداخلة في العلوم الاجتماعية، والتاريخية، والسياسية، والجغرافية مشروعًا معرفيًا، ولعل خبرة الدكتور باديو الأكاديمية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية طوال عقود عدة يعطي لهذا الكتاب أهمية خاصة.

تم نشر الكتاب لأول مرة في عام 2018 باللغة الإنجليزية، وفي عام 2019 تم ترجمته إلى اللغة العربية، وأصدره «معهد الدراسات الصومالية (ISOS)»، التابع لجامعة مقديشو، والذي يترأسه الآن زميلي الأستاذ مصطفى طيغ.

والكتاب مكتوب بطريقة مبسطة للقارئ العادي، والذي من خلاله يجيب على الكثير من الأسئلة عن تاريخ الصومال القديمة والحديثة، والوقائع السياسية، والاجتماعية، والحروب الأهلية في الصومال، وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
وجاء الكتاب في خمسة فصول تعتبر خلاصة خبرة أكاديمية ومعرفية لأكثر من 30 عامًا، ويتناول الكتاب عدة مواضيع هامة، لذا دعونا نتعرف عن ملخص للكتاب.

فصول كتاب «تاريخ الصومال.. رؤية تحليلية جديدة»

يتناول الكتاب في الفصل الأول مقدمة ومختصر حول تاريخ الصومال القديمة، متضمنًا أيضًا مفاهيم ومصطلحات التاريخ، وفلسفة التاريخ بشكل عام في هذا المجال، حيث يتحدث الكاتب عن أهوال الحروب الأهلية في الصومال، وما مر به الشعب الصومالي بمفارقات تاريخية هامة في سبيل استعادة دولته التي انهارت قبل ما يقارب لثلاثة عقود، ويؤكد الباحث أن مما أطال الأزمة الصومالية وبدد مشاعر الاعتزاز الوطني والكبرياء القومي هو تناحر النخبة الصومالية على السلطة التي تحولت إلى حرب أهلية تارة باسم القبلية، وتارة باسم الإسلام تارة أخرى، ويطرح الكاتب عدة أسئلة أساسية حول التاريخ والتي لها صلة مباشرة للموضوع وهي:
ما معنى التاريخ؟ من هم المؤرخون؟ ما هو تعريف ودور التاريخ؟ وما هو معنى فلسفة التاريخ؟
ويعرف الكاتب المؤرخون بأنهم مهندسو التاريخ الذين يعملون بلا كلل على تتبع أثر حياة أسلافنا، وذلك بغية فهم الظروف التي عملوا من خلالها بكد مع دراسة الأحداث الفاجعة التي ألمت بهم، إضافة إلى متابعة أفرحهم وأتراحهم واعتقاداتهم ورؤيتهم في العالم القائم في ذلك الوقت.

مع بداية الفصل الثاني يعرف الكاتب مفهوم التاريخ بأنها دراسة أحداث الماضي باستخدام المصادر المكتوبة والشفهية والتي تم حفظها في مصادر ملموسة.
وهنا يتم التعرف على الموقع الإستراتيحي لشبه الحزيرة الصومالية الواصل بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، ويقول الكاتب إن أصل الصوماليين ينحدر من هذه المنطقة على مدار 7 آلاف عام مضت، وكانوا يتحدثون باللغة الكوشية، وأيضًا يعارض الفرضيات الأخرى التي تؤكد أن الصوماليين هاجروا إما من الهضاب الإيثوبية الجنوبية، أو من جنوب شبه الحزيرة العربية، وأن الصوماليين القدامى كانوا تجارًا بالعديد من البضائع، مثل البخور، والبهارات مع المصريين القدماء.

وأن الشعب الصومالي دخل في دين الإسلام بتتابع سريع في القرن السابع من العصور الوسطى، ولكن هناك روايات مختلفة حول كيفية وصول الإسلام إلى الصومال، ولكن المؤرخين الصوماليين متفقون على غياب الأدلة على التخول الصومالي المبكر للإسلام قبل وصول الإسلام إلى المدينة المنورة.
وأيضًا يستعرض الكاتب الحروب التي وقعت بين إمبراطورية الحبشة والإمام أحمد إبراهيم الغازي، بسبب اعتداء الحبشة على سكان المسلمين، وتدخل البرتغاليين لنصرة الحبشة، بينما طلب الإمام أحمد الدعم إلى الإمبراطورية العثمانية؛ مما أدى إلى هزيمة تحالف النصارى.

في الفصل الثالث يتحدث الكاتب عن بدء تاريخ الصومال الحديث في القرن الثامن عشر بعد انهيار سلطنة آجوران والتي حكمت الصومال، وإعادة تشكيل المجتمع الصومالي، وتأثير الطرق الصوفية، والمواجهة التي وقعت بين الإسلام بقيادة الطرق الصوفية والتي لعبت دورًا بارزًا في تغيير المجتمع الصومالي، والاستعمار الأوروبي الذي بدوره حاول إعادة تشكيل المجتمع الصومالي بعد الغزو الأوروبي لقارة أفريقيا بعد مؤتمر برلين، ودخول المستعمرين البريطانيين، والإيطاليين والفرنسيين إلى الأراضي الصومالية، وتأثيرهم على السياسة، والأمن، وتأسيس التعليم الحديث، وبروز العشائر السياسية، والحروب، والمقاومات التي واجهها المستعمر الأوروبي داخل الأراضي الصومالية.

ولخص الكاتب ردة الفعل الصومالية على الاستعمار إلى مرحلتين، أولاهما 1889 إلى 1927، وهي حقبة مواجهة القادة التقليديين للاستعمار، والمقاومة التي واجهها المستعمر الإيطالي في كل من ورشيخ، وعدلي، ومركة، وهزيمة سلطان عثمان.

والمرحلة الثانية بدأت 1943 إلى 1960، والتى شهدت تصدي الصوماليين للإستعمار إلى نخبة وطنية جديدة، ويشير الكاتب هنا الفرق بين الصد الأول كان رفضًا تامًا للغزو المسيحي على أراضي المسلمين، إما الثاني فقد وجهها هدف إقامة دولة مستقلة اسوة بالنظام العالمي الحديد الذي صاغتة قيام دولة القومية.

وخلال الفصل الرابع يتحدث الكاتب عن نهوض القومية الصومالية وسقوطها، وكذلك البحث عن الوحدة الصومالية عن طريق الاعتدال والتطرف.
ويشير الكاتب إلى أن بداية البذور الأولى لفكرة القومية الصومالية بالتبلور مع تشكيل منظمات المجتمع المدني، والتي تحولت لاحقًا أحزابًا سياسية، ويجدر الإشارة هنا إلى أن نظام العشائر والطرق الصوفية كانا النظامين الوحيدين اللذين ألفهما الصوماليون قبل مجيء الاستعمار إلى الأراضي الصومالية، وكان حاج فارح أومار مؤسس أول منظمة للمجتمع المدني الصومالي، وهي الجمعية الإسلامية 1925، وبعد فترة ظهرت المزيد من منظمات المجتمع المدني، بيد أن الاستعمار كان يحظر أي نوع من هذه المنظمات.

وأيضًا يقول الكاتب كان هناك عاملان شغلا فكر القوميين الصوماليين وهما: إضعاف العشائرية وتقوية دور الوطنية، أي أن أضعاف عامل منهما يعنى بالضرورة تقوية للآخر. وكان الاعتدال هو الطريق الذي أتبعه القوميون الصوماليون، حيث نص الدستور 1969 على ما يلي «تنتكر الجمهورية الصومالية الحرب كوسيلة لحل المنازعات الدولية، وتؤيد الجمهورية بالطرق القانونية والسلمية تحقيق وحدة الآراضي الصومالية». وكانت الدولة الصومالية ضعيفة وأمامها عقبات وتحديات كثيرة، ومنها قلة الكوادر الكافية، ونظام عشائري مسيس، وموجات الهجرة من الأرياف إلى المدن، والضغوط من الدول المجاورة بسبب عدائهما.

والفصل الخامس والأخير يستعرض الكاتب عن أسباب إنهيار الدولة الصومالية، حيث يقول «ترك انهيار الدولة الصومالية عام 1991 العلماء، والساسة، والشعب الصومالي نفسه في حيرة وصدمة عميقتين؛ لأن الصومال كانت إحدى أول الدول الديمقراطية التي قامت في أفريقيا».

ويقدم الكاتب العوامل والأسباب التي أدت إلى إنهيار الدولة الصومالية حيث يشير إلى أن الدولة الصومالية كانت تستمد قوتها من الخارج وليس من الداخل على غرار العديد من الدول التي وقعت فريسة لأيدي الاستعمار.
وذكر الكاتب أيضًا إلى أن التحديات الصعبة التي واجهتها الدولة الصومالية منها، الصراع بين الدولة والمجتمع الصومالي، والقدرات الشحيحة، والأيدلوجيات المتخبطة، والضغوط الخارجية المستمرة، ويضاف إلى ذلك أسباب جغرافية، لأن الصومال تقع موقع يربط بين أفريقيا وآسيا، وأوروبا، مما جعل الأراضي الصومالية مسرحًا للعمليات، والحربين العالمية الثانية والباردة الدوليتين، وكذلك الصراع بين الهوية العربية والإقليمية، وصراعات أخرى بين قوى إقليمية مثل مصر، وإيثوبيا، حول نهر النيل الجدل القائم حتى الآن.

وأخيرًا لخص الكاتب الأسباب الرئيسة وراء انهيار الدولة الصومالية بعد نهاية الحرب الباردة وهي: تراجع المساعدات الخارجية، والانقسامات الاستعمارية التي قاسها الشعب الصومالي، والوحدوية الصومالية، والحرب مع إيثوبيا، والبدائية، والعشائرية السياسية الطاغية، والفساد الأخلاقي، والانحلال الثقافي، وشح الموارد، وفشل قادة الصومال في إيلاء الأهمية للاهداف الرئيسة.

وفي العموم ما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه يعتبر فتحًا معرفيًا ليس بالشعب الصومالي فحسب، بل للأمة الصومالية أجمع، وهذا الكتاب من أهم الكتب التاريخية التي قرأتها في حياتي، ويعتبر الدكتور باديو من أهم الشخصيات المؤثرة بالنسبة لي ولشباب الصومالي بصفة عامة.
وللأسف لم أستطع إيجاد أية ثغرة صحيحة في هذا الكتاب (نقد لهذا الكتاب)، والسبب واضح هو مستوى معرفتي المتواضع، ولا يمكنني النقد لكاتب مثل هذا المثقف العريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صومال
عرض التعليقات
تحميل المزيد