في البداية يتساءل القارئ؛ ماذا يقصد بـ«الأناركية»؟ ليس من الغريب أن نجد في بطون المعاجم والقواميس كلمة تحدد معنى المقصود؛ بيد أن كلمة «الأناركية» تعني الفوضى بالنهج العدل والمساواة بين المجتمع، في حين تأتي حرفها المعنى في اليونانية.

لا ريب أن كل الجهود المبذولة في صوماليلاند _  منذ أن أعلنت انفصالها عن بقية أراضي الصومال – واجتهاداتها إنما تدوم وتخسر أو تنتصر وتتحقق أحلامها، بيد أن التغلبات السياسية والاجتماعية والتحديات المشتركة، التى تواجهها في الداخل والخارج؛ إدراك إلى نهاية المطاف؛ فمثلا قضية «الاعتراف» أصبحت من أبرز القضايا، وتسعى جاهدة في سبيل تحقيق حلم الاعتراف من أكثر من ربع قرن، غير أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في تحقيق الاعتراف، ولكن نلاحظ أن بعض الدول تتعامل مع صوماليلاند في شكل يشبه التعامل الحكومي، فالسؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا يتأجل الاعتراف ويتكرر الفشل قرابة 30 عامًا بعد إعلان الانفصال عن الصومال؟

أجل، لكل شيء بداية ونهاية، ولن تستمر الأمور كما هي وعلى حالة واحدة، فالوقت يمشي، كذاك الزمان يدور حول نظام العالم؛ فقد قال أبو البقاء الرندى في رثاء له بعد سقوط الأندلس:-

لـكل شـيءٍ إذا مـا تـم نقصانُ ** فـلا يُـغرُّ بـطيب العيش إنسانُ

فكل دول العالم – سواء كانت صغيرة أو كبيرة – يدوم بقاؤها بالعدالة والمساواة بين المواطنين، فقد يعتقد كثير من الساسة الجنوبيين أن أمل الانفصال في صوماليلاند مهدد بوجود شرخ اجتماعي ينساق في جسم المواطن، دون العوامل الأخرى المرتبطة بالخارج، ويتمثل الشرخ الاجتماعي غياب العدالة والمساواة باستفحال عامل القبلية، والقبلية وحدها تكفل تدمير طموحات الجمهورية، وتقف حجر عثرة في الاندماج الحسي، وكان واقع جمهورية الصومال متأزمًا بداء القبلية، ما أحجم عن تقديم قناعات لصوماليلاند؛ ولكن شمس القبلية تستكمل دورتها فتشرق في سماء جمهورية الانفصال، وتتميز كل دولة منذ الانفصال بميزات تقارن بظروف عهدها، ولم يبدأ العد العكسي حسابه لينزف جهود الود وينسف طموحات بناء الدولة.

فالأمر الذي يثير قلقي لجيل الصوماليلاندي أرضًا وأمة؛ بأي حال يكون مصيرهم؟ عدالة تميل إلى انقسام الأمة، رؤساء يتم اختيارهم بمنطق الطائفية والقبلية، أمة تتردد بين القبلية والمعارضة، أمة تفكر في المأكول ولا تفكر بالعقول، أمة تفكر ما باليوم، ولا تفكر بما يصير الغد وما بعد الغد، أمة تعتقد أن القبلية أقوى من كل شيء، هكذا مصير الصوماليلاند على شفا جرف هار.

هذه الفترة انعكست العنصرية والنهب بين الصوماليلانديين، فحدث ما حدث، والزمن يوضح لنا تجديد أفعال السياسيين من قبل الشعب الناعم، ثم إن التوجه السياسي يتدرج إلى التفكك والانهدام بسبب ضمور الدور الفعلي للحكومات المتعاقبة، ولم يشمل برامجهم أية استراتيجية تجلب التطور للبلد، وتضمن الاستقرار سوى أن يقولوا: «يا أيها الشعب قد علمنا ما حدث في 30 عامًا مضت؛ لا بد أن نحمي أمننا واستقرارنا»، والاستقرار والأمن يأتيان من قبل الشعب، بينما ينحصر دور الحكومات المتعاقبة بالتنافس والسطو على كراسي الحكم ثم الاختلاس.

فالعدالة راحت، والإنسانية ماتت، والوطنية جفت، وأعمال الدولة تحولت إلى أعمال خاصة تستفيد منها القبلية، ومناصب الدولة والهيئات العامة تغيرت إلى أماكن تأخذ حصص القبلية الغاشمة، ثم إن الفساد والسرقة ظهرت في سماء الجمهورية، تلك التى أدت إلى إماتة روح الوطنية والمحبة بين الشعب.

حكومات ما بعد 2010م

وفي شهر يونيو (حزيران) من عام 2010م؛ أجريت ثاني انتخابات رئاسية في صوماليلاند، وكان المتنافسون ثلاثة من أحزاب السياسية؛ إذ فاز الرئيس السابق، أحمد محمد محمود سيلانيو، ونائبه عبد الرحمن زيلعي بالرئاسة، بعد هذه الانتخابات كان التقدم والتطور في واقع صوماليلاند ينزل تدريجيًّا من قبل الحكومة الجديدة، فكانت أعمالها تقتصر على تعيين الوزراء والمسؤولين للحكومة وعزل مسؤولين آخرين، فلم يعد يقرر الشعب مصيره، ولا يعرف أين تتجه الحكومة؛ بل كانت الأسعار مرتفعة، وأصبحت القبلية يصعد نجمها في سماء صوماليلاند ويفرح بها شياطين من المتسلقين بالرئاسة.

تأسست عصابات من المسؤولين في داخل الحكومة تزرع بذور العنصرية والميل إلى بعض القبائل دون اهتمام للمصلحة العامة، فالعدالة سقطت، والأمانة ارتحلت، والإنسانية ماتت، وكل شيء يجرى على العكس، وقضية الانفصال تقترب من الانهيار، واستمر البلاد في سنوات عجاف تقوده «جيغان» نحو هاوية من نيران القبلية، وانتهت فترة رئاسته رغم ما حصل من تمديد؛ ثم أجريت انتخابات بين الأحزاب السياسية «كلمي- وطني- أعد» وذلك في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، إلا أن الانتخابات الأخيرة كشفت عن سطحية بائنة وغباء سياسي نتن، وحالة مراهقة شديدة لا تقاس بالمسطرة السياسية؛ بسبب ارتكاب حزب الحاكم «كلمي» تزوير أصوات المنتخبين واختلس الشفافية في وضح النهار وعلى عين من سابقه للفترة الرئاسية.

وعلى الرغم من ذلك فإن قيادة الحزب الحاكم في صوماليلاند «كولمي» قد أقرع كثيرًا من التفرق والتشتت الذي عمم الشعب كله، وأفضى إلى تمزق القبائل، وكانت الديمقراطية في صوماليلاند – التى تسمح تداول السلطة بطريقة سلمية ومتصفة بأسمى النزاهة والشفافية – تأتي بالعجائب من تعاون قبلي مقرف وحملة إعلامية جاهلية، وختمت أعمالها السيئة بالتزوير، فالانتخابات البلدية التي انعقدت في 2012م والرئاسية التى حدثت في 2017م قد تمت خرقًا للوائح والقوانين الدستورية فتحول الحكم في يد فئة طاغية تساوم على شعب أنهكه التقصير الحكومي والعجز الإداري، واستعبدت الشعب بالاستبداد، فعارض الشعب من تزوير الأصوات رغم كونها طريقة غير شرعية، فاستخدمت الحكومة بإطلاق الرصاص على صدور المحتجين العارية، ورقصت على رؤوس المتظاهرين، وكانت النتيجة القتل وإهراق دماء الشعب؛ لأن حزب «كلمي» فشل فشلً ذريعًا في إقناع الشعب بطريقة سلمية.

هذه الحكومة المنتخبة تسير باتجاه تقسيم القبائل والعشائر وتذبح اللحمة وتخرق النسيج الاجتماعي؛ وسوف تنتهي بنهاية مؤسفة تسبب الصراع الداخلى، وفي الوقت نفسه تعم البلاد أزمة النظام الفيدرالي والتراجع عن طلب اعترافها من قبل العالم.

إن الفشل أو النجاح للحكومة المنتخبة في صوماليلاند لا يعني شيئًا لشعبها حيث صار حزب كلمي 7 سنوات حاكمًا لصوماليلاند. ولم ينجز قضية الاعتراف – فقط – التي أصبحت ذريعة وهمية لإدامة الصراع في المنطقة من قبل أطراف الصوماليين.

ملاحظة، نحن لا نتكلم عن الشعوب، بل نتكلم عن الحكومات المتعاقبة في الصوماليلاند وحصيفة وثاقب الذهن بمعنى الدول والنظام، لأن هناك مقال نشرته في موقع «ساسة بوست» بعنوان «صوماليلاند وحصيفة الحكم» ولذلك أقصد هذه الحصيفة _بالشعب الصوماليلاندي _ ومفهومهم عن الدولة.

لقد عانى شعب صوماليلاند الظروف القاسية التي نتج من حكم حزب «كلمي» قاصم ظهر الطموحات، فنفوسهم لا تهوى سوى الباطل وكبح العدالة بين الشعب، كيف تكون حكومة «كلمي» الرائدة والقائدة لجميع القبائل بعد تلاعبها بالدستور وإشاعة العنصرية؟ الغارة والنهب والتكبر ومزاولة جميع أنواع الفساد التي نخرت عظام الشعب، هي التي تقطع أحلام عمر قضية انفصال صوماللاند.

فالحكومة الحالية المتثملة التي يترأسها موسي بيحي عبد، هي غير مؤهَّلة بقيادة البلاد ولم يستحق خوض غمار السباق الرئاسي طالما يوسع قوة الخلاف والتشرذم؛ لأن الأسباب الداعمة هي أنها لم تأت بوجه الإصلاح عن الحكومة السابقة، فالأمور كلها تستمر على أحوالها أو حالة أسوأ منها.

إننا وصلنا إلى المرحلة الأخيرة من التطور السلبي لصوماليلاند، بسبب السياسات التعسفية لموسي بيحي، ومن ثم تبدأ مرحلة جديدة لحياة وحشية تبيع البلاد في سوق النخاسة، يدير شؤون الصوماليلاند ثلاث سنوات ولا يزيد بها إلا خبالًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد