مظفر النواب الشاعر الجدلي، الذي كان ينبض قلب الشارع كلما ألقى قصيدة أو هربها من معتقله، والذي قضى حياته إما في المعتقل، وإما في المنفى، والذي كتب مرة من شدة حنينه للعراق: «فلقد كنْت عندَ نخيل العراق وإن كان حلمًا».

من أبرز شعراء القصيدة الحرة، الحرة في تشكيلها الشعري الحديث وفي محتواها، إذ إنه لم يكن يربطها على الإطلاق بقيود تحد من هيجانها الثائر المناضل، تلك القوة في المصطلحات والتركيبات اللغوية أكسبت مظفر شهرة عظيمة في الوسط السياسي، والأدبي، والشعبي على حدٍ سواء.

أحد أشهر قصائده على الإطلاق قصيدة: «وتريات ليلية»، والتي روى فيها قضية مدينة الأهواز، وكيف أنه احتدم به الأمر إلى أن تعلق بها حين قال: «في العاشر من نيسان نسيت على أبواب الأهواز عيوني».

وظلَ يسرد فيها قصص الظلم من السلطات العربية، حتى وصل الأمر به إلى قضية القدس، ليخط بريشته إحدى أهم القصائد التي كتبت فيها:

«القدس عروس عروبتكم

فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها

ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها

وسحبتم كل خناجركم

وتنافختم شرفًا

وصرختم فيها أن تسكت صونًا للعرض فما أشرفكم

هل تسكت مغتصبة!».

مع اشتداد الصراع بين القوميين والشيوعين هرب مظفر إلى روسيا مرورًا بإيران، لكن ألقي القبض عليه وأعادوه إلى العراق، فحكم عليه بالإعدام، ونقل إلى معتقل صحراوي، واستطاع الهروب، وظل مختبئًا في حضن بلدته تحديدًا في بغداد، وبعدها بفترة أعلن عن العفو العام عن كل المطاردين؛ فعاد مظفر، وعمل مرشدًا في وزارة التربية والتعليم العراقية.

فقال في إحدى قصائده عن الإمام علي:

«ما زالت شورى التجار ترى عثمان خليفتها

وتراك زعيم السوقية

لو جئت اليوم لحاربك الداعون إليك وسموك شيوعيًّا».

ثم نالت من بقايا روحه مجزرة تل الزعتر، فسرد أحد أصدقائه قصة إلقائه القصيدة في دمشق، إذ ابتدأ بهجاء حافظ الأسد يومها وقال:

«ماذا يطبخ تجار الشام على نار جهنم

إن الطاعون قريب».

على الفور داهمت السلطات المسرح الذي كان يلقي فيه قصيدته، ولكنه استطاع الهروب منه، وبعدها فر إلى ليبيا وعاش هنالك سبع سنوات.

فكتب قصيدته المشهورة جدًّا «عروس السفائن».

وخلال تلك السنين لم ينسَ أبدًا اللهجة العراقية العامية، فمضى يكتب قصائد نالت شهرة واسعة، وصنفت ضمن الفلكلور الشعبي العراقي، منها قصيدة «البراءة»، وقصيدة «مو حزن لكن حزين»، وقصيدة «الريل وحمد».

أشهر قصائده التي لم نذكرها: قصيدة عبد الله الإرهابي. التي استهجن فيها كيف مات ثائر فلسطيني كل شأنه أنه ثائر.

وقصيدة «في الحانة القديمة» التي خط بها أحد أفضل أبياته:

«سبحانك كل الأشياء رضيت سوى الذل

وأن يوضع قلبي في قفص في بيت السلطان

وقنعت يكون نصيبي في الدنيا كنصيب الطير

ولكن سبحانك حتى الطير لها أوطان

وأنا ما زلت أطير، فهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر

سجون متلاصقة، سجان يمسك.. سجان».

ونختم بالقصيدة التي حجبت الشفاعة التامة عنه ضمن لوائح الاعتقال عند أجهزة الدول العربية، وهي قصيدة: «قمم قمم» التي ذكرها بشكل ساخر وحزين في آن واحد عن كم القمم العربية التي تُعقد بشكل دوري دون جدوى.

هذا مظفر النواب ابن العائلة الأرستقراطية الذي ظل حتى إصابته بمرض السرطان وهو يدافع عن حلقات الشارع العربي المظلوم، وسوغ ذلك قائلًا: «في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي».

هذا الشاعر الرقيق الذي يستثيره الظلم فيكتب، ويدافع ويناضل، دون رهبة من اعتقال، أو قتل، أو تشويه سمعة.

هذا مظفر النواب! شاعر القصائد الهياجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد