مبدئيًّا هذا المقال بعيدًا عن أيَّة ما ورائيات، أو تحيزات المادة نقدية بامتياز، وبشكلٍ عامٍّ عبارة عن أفكار مستخلصة من نصوص حيَّة؛ بمعنى أنها تعود لمالكها، ومُنتجها الأصلي، بعيدةً كل البعد عن: قالوا المنتشرة والتي يظهر جليًّا أنها أزمة تُرص ضمن أزمات العقل العربي المتطلبة لحلول آنيَّة لِمَا ينجر عنها من ظلم وبُعد عن الصدق والعدل، والشفافية بالإضافة إلى كونها حاجز يَحْجِزُ به الإنسان نفسه أو يُحجز بفعل فاعلٍ عن أهم ما يوصل إلى الحقيقة وما يعطي إجابات صادقة ومنصفة، والتوسع أكثر في المسألة في قادم المقال.

النموذج الأول: فرقة كايروكي

القراءة لها أشكال؛ الشكل التقليدي منها: قراءة الحرف الورقي القراءة من بطون الكتب والرسائل والجرائد الورقية وما إلى ذلك، أما القراءة الأحدث فهي قراءة الحرف الإلكتروني قراءة الفيديو، الصوت، الصورة، الكتاب والمجلة الإلكترونية وكل ما هو إلكتروني قابل للقراءة، وهذه الأخيرة استحدثت بفعل تكنولوجيا العصر، وقد تسمى القراءة الإلكترونية، أو الرقمية وهي قائمة بشكلٍ أساسي على المشاهدة والاستماع ومشاهدة الشاشة، والورق الإلكتروني، والاستماع للتسجيلات وغير ذلك كما أن هذا النوع من القراءة البصري السمعي كغيره من القراءات يحتاج إلى تركيز وانتباه، وهنا في هذه الفقرة مرجعنا ومصدرنا هذه القراءة ( القراءة الإلكترونية).
أثناء البحث والقراءة الإلكترونية (الصوتية والبصرية) قرأتُ هذه الكلمات ( الحقيقة واضحة وضوح الشمس لكن ممنوع الاقتراب أو اللمس، كلمة الحق (في زمنا انتحار…لو صممت تمشي عكس الناس الإجابة.. حتكون بالرصاص…ناس بترقص وناس بتموت…) ( كلامي مش ضد النظام فقط … لو دي آخر أغنية ليَّ حفضل أغني للحرية…عندنا أحلام كثيرة أعطيني فرصة أسوق .. كل هدفي أشوف بلادي لفوق….الرجالة بحق في السجون…)
هذه كلمات مقتطفة من أغنيتين متفرقتين أقل مايقال عنها: شجاعة، ومؤلمة، وناقدة، فالفرقة الموسيقية تحلَّت بنوع من الشجاعة تُسطر وتُحسب لها؛ كلمات لا يمكن أن يصدق كائن من كان بأنها لُحِّنت ووزِّعت من داخل وكر المستبد، ولكنها كانت فعلًا وبكل جرأة، وبسالةٍ، ولا وصف يُوصِف من دوَّى بها من أرض الظلام الاستبدادي إلا شجاع سقي الشجاعة؛ إقدام يستحق أن يُشاد به ويعلن ليبقى، وموقف نبيل يُعلَّم ويُدرَّس؛ كما تجدر الإشارة والتنبيه إلى أن أغنية «ناس بترقص وناس بتموت» طُرحت في وقت حرجٍ وصعب؛ وقت لا صوت غير صوت الإبادة والسجَّان مع الجلاد، بعد مجزرة رابعة بسنة واحدة فقط، وهو ما يحجج، ويثبت شجاعة هذه الفرقة وعظمة ماتطرح في حين كان غيرهم ممن يحسب على الفن والأدب، والفكر قد سكب مداد قلمه وقطَّع أوتار جيتاره خوفًا، وانتكاسًا.
من هي كايروكي؟
كايروكي فرقة موسيقية مصرية ذات توجه اشتراكي وعندما نقول الاشتراكية: يعني ببساطة قيم اجتماعية وفكرية وسياسية في ظاهرها مانتفق معه ونتقاطع معه، وهنا بما أننا ذكرنا الاشتراكية سنعرج باقتضاب على نقطة من خلالها نمرر رؤية معينة، وهي أن منْ ينادي بقيم الاشتراكية خاصةً ممن يقطن رقعتنا المضطربة للأسف دائمًا ما يعتقد أن الدين منافيًا ومقارعًا لها ولذلك كثيرًا منهم بعيدًا عن التعميم؛ حتى لا نزيغ له مع الدين وقيم الدين حساسية جد مفرطة، بل ومنهم من يتعكر مزاجه، وقد ينقلب قردًا بمجرد ما تتنسم قيم الدين مع العلم أن هذه القيم التي ينادي بها الاشتراكي، والقومي من صميم الدين وفلسفته، كما أنه ذاته قد يكون مُتديِّنًا يعني أنه يدين بالإسلام أو بغير الإسلام، ومع ذلك تجده يحمل العداء الشديد لكل من ينادي بحكم قيم الدين، حتى ولو كان في المتفق عليه، وهذا عجب يحيل إلى التساؤل والدهشة! وهنا نقطة أخرى وجب نعتها وهي أن عداء الاشتراكية أو حامل بذور ثقافة الاشتراكية تجاه كل الأديان كل القيم الدينية سواءً في ذلك الأديان السماوية أم الأرضية أينما يتنسَّم ريح الدين في الاختناق القاتل!

نعود إلى موضوعنا اللافت في الأمر أن الأغنيتين على درجة عالية من الخطورة فالمستبد في أيَّة رقعة كان شرقًا أم غربًا لا يسمح أن يشار إليه بالبنان فضلًا على أن يُساء إليه وفي عقر داره أو إذا ما كان مصدر الأذى من دار الثقافة لمَا يُعرف عنها من أهمية بالغة في التأثير وإحياء الوعي، واستنهاض الضمير وهو ما لايبغيه، ولايرضاه لأنه يدرك جيدًا أن استمراره مربوط بالجهل وانعدام المعرفة وتفشي الخور والجبن وقلة الشأن، وموت الضمير كما يدرك جيدًا أن هزيمته متعلقة بالوعي والعلم، والفكر والحرية والشجاعة،
الأغنيتان المذكورتان نموذج ثقافي وفني مزعج للمستبد بقدر ماتزعجه الأفكار الحية، والسياسات الراشدة.
المستبد خاصةً في زمننا هذا لم يعد ذلك المستبد التقليدي الذي يعتمد على البطش والتنكيل وقوة العبيد الخدم؛ المستبد اليوم جزء من العصر، جزء من حضارة اليوم عقل اليوم امتلك كل أدوات القوة العلم الثقافة التكنولوجيا المال الجاه، وحتى نصوص الدين ورجاله، وتعلم بكل مهارة كيف يستثمر كل جزء على حدة من أجل تنفيذ مشروعه، وترويض خصمه الذي هو الشعب وعندما نقول: الشعب وخصمه فإننا نقصد: المواطن العادي الثائر، والعبقري الثائر، المفكر الثائر، المثقف الثائر، العالم الثائر، الفقير الثائر، الغني الثائر كل هؤلاء يشتركون في صفة واحدة وهي الثورة والتمرد على كل أشكال الظلام والبدائية، والغطرسة، والفرعونية، هم خصم المستبد الأشرس الأزلي، كما يعمل المستبد على الاستثمار في الأدوات المذكورة آنفًا وسواها من أجل ترويض وإرضاخ هذا الشعب لسلطته وجبروته، والفن جزء أصيل من ذلك المركب: الثقافة، كما أنه وأدواته وسيلة معتمدة أساسية لدى مستبد اليوم بيد أن ما يؤرق الطاغية ويعكر استقراره ورسوخ مشروعه الرجعي؛ أيضًا الفكر، ومايسطر القلم وكل ماله جذور وحواشي ثقافية، فأهل الضمير في الفن والفكر أعتى ما يواجه المستبد، وأخشى مايخشاه الطاغية: الفكر الحر الناقد الضميري، والأغنية ذات المعنى الناقدة، والناقلة لمعاناة الإنسان، والحاملة لوجدان أصيل.

النموذج الثاني نوال السعداوي

وهذه قراءة في حقائق، وسير مايعني كل التجرد، ومحاولة في إنشاد العدل والإنصاف، كما أن شخصي أبعد ما يكون ممن يدافع عن الشخصية المعنية وآخر من قد يدافع عنها وهذا قرار ليس قطعًا نتاج قهر الجموع (قالوا) ولا حتى إملاءات أخرى؛ إنما قرار مبني على لسانها حيث تقول: إن كل النصوص الدينية بما فيها القرآن يجب أن تتغير لتوافق المصالح العامة حيث لا ثبات لنصٍ حتى القرآن …كما ترفض الحجاب ووو….وتأيدها المعلن للمستبد وعدم اعترافها بالانقلاب كما بحثتُ ولم أجد لها تعليقًا على دماء رابعة والنهضة كل هذا وغيره من الأفكار التي لا أوافقها تمامًا وتحسب ضدها إنما أخذت الدكتورة كعينة للوقوف على مشكل نعاني منه كثيرًا آنف الذكر ألا وهو: الأخذ من مصدر قالوا بعيدًا عن مصدر إحقاق الحق لسان القائل مباشرة، أو دفاتره، أو تسجيلاته، كما أن مفاتيح الجنة والنار والحكم على إيمان الناس من عدمه هنا ليس مكانه بالمرة، لذلك أيها القارئ الكريم هذا نص يتناول فكر الخلق لا إيمان الخلق واقع حال لا افتراض حال، منهج لا عبث.
سمعت عن غيرها أن ماتتعرض له المرأة المصرية اليوم من إجرام وتنكيل لا يعنيها، ولم تتحدث عنه على الإطلاق، بل إنها ند وضد قضايا المرأة الحقيقة بالإضافة إلى كونها صوت للسلطة السياسية المستبدة الحالية في مصر، وهذا الادعاء والقيل والقال لنقر به أو نفنده سنحتاج أن نخطو إلى حروف وكتابات وآراء وأفكار المرأة، على الأقل آخر ما سطر مدادها وتفوه به لسانها.
نوال والمرأة المصرية
في هذا النص ستنفي نوال عن نفسها تهمة أنها ضد النساء في مصر خاصةً ذوات السوابق السياسية فعلى لسانها بالحرف في برنامج تلفزيوني تقول: الديمقراطية اليوم في مصر في عهد السيسي نحو التراجع أكثر مما كانت، فهناك نساء في السجون وهذا لمن قال أنها لم تتحدث عن حالة النساء المزرية في مصر وحقوق المرأة في مصر؛ كما قالت بالحرف عندما سألتها مقدمة البرنامج عن السيسي ولقائه (وجهي رسالة للسيسي وقالت لها عايزة تقابلي السيسي فردت بكل قوة لا أريد مقابلة السيسي أنا لا أقابل الحكام كلهم.. الآن الكل يجري وراء السيسي ويقابلوه ولما يقابله الواحد يكتب مقال ويقول قابلت السيسي.. تقول في السياق نفسه أوجه رسالة للسيسي أقول له نحن في تناقضات رهيبة كيف يمكن لهذه الحكومة أن تستمر في سياستها التي ضد الشعب؟ البورصة رجال البورصة يحكمونا الناس ..الثوار في السجن.. الشعب حمى السيسي بالتفويض مايعني أن عليه القيام بواجب التفويض عمل بالتفويض.. تغيير الحكومة وتغيير الحكومة ليس تغيير الأشخاص نغير الأفكار نغير المشروعات.. الشعوب قوية في الثورات وعندما يعود الشعب إلى البيت تقوم الدولة بدورها لتفتيتهم وترويعهم.. يطلع قانون عدم التظاهر.

من خلال ما تقدم يتبين أن النموذجين سواءً في ذلك الفرقة، أو الدكتورة ماطرحاه يعد نقدًا لاذعًا ولغة شرسة خشنة في وجه السلطة الديكتاتورية التي لا تقبل النصح فضلًا على أن تنتقد، وأي نقد؛ نقد جريء شجاع ومن الداخل وذلك ما يعتم الموضوع، ويجعله محل نظر وتأمل وسؤال،
من المعروف أن الأنظمة المستبدة الفاشية لا تسمح لأي صوت ليس على هواها وصدرها يضيق وينفجر لو سمعت مالاترضاه وتبدأ يد البطش والتنكيل تعمل بشراهة، ولكن النقد والتقريح والقدح تم على عين وسمع المستبد، ومع ذلك لم يحرك ساكنًا لماذا ياترى؟ الإجابة من منظوري الخاص المحتمِل للمتناقضين الخطأ والصواب أن المستبد اليوم ليس كمستبد الأمس؛ اليوم هو عصري أو ما يمكن أن نطلق عليه مابعد الاستبداد ما يعني أنه مكوَّن ومدرَّب ومتعلِّم ووصل إلى الكرسي عبر تحركات مخططة مدروسة قد تقترب من العلمية لولا ذلك البطش الذي دائمًا ما يتخلل مطلعها بل حتى في هذه أيضًا، حرص على أن تتخللها العلمية بشكلٍ من الأشكال على النقيض من مستبد الأمس الذي ورث الاستبداد أبًا عن جد، ومرتكزه واتكاله الوحيد على قوة البطش والتنكيل والجنود الطائعين والعبيد الخانعين المهزوزين، وهذا مايرمي بنا إلى القول: إن المستبد يسير وفق رؤية واضحة مقصودة مدبرة ما يعني أنه قد يسمح بمعارضين على أرضه رغم شجاعتهم وصدحهم بالحق ورغم أذيتهم له فكلمة الحق تؤذيه أكثر من أيِّ شيء ومع ذلك يتركهم ينتقدون بكل حرية دون أن تصلهم يده الباطشة لماذا يا ترى؟
نرد ذلك أيضًا إلى أنه يدرك جيدًا أن فتح كل الأبواب عليه، ليس في صالحه فرقة كايروكي لها ملايين المعجبين مشاهدات تتعدى الملايين صنعت جماهير عريضة وشعبية جارفة وهو ما أرجح أنه قد حماها من بطشه كما الدكتورة نوال تمثل جهة معينة علمانية بالدرجة الأولى ما يعني أنها تحوز على تعاطف وتآزر كل أهل اليسار؛ صحيح أن أفكارها قد تتماشى مع السلطة المستبدة اليوم بل ما نراه أن طرحها في بعض المسائل يخدم السلطة إلى أبعد الحدود، لكنها في  الوقت نفسه مزعجة لما تتفوه به من انتقادات وكلام لا يستطيع أي معارضٍ أو موالٍ التَّفوه به سلامة هذه الشجاعة من بطش المستبد نردها إلى الخوف من شعبية المرأة وهذه شجاعة تحسب لها وتسجل فالحق حق والقول به إرساء لقيم الحق في مجتمع الإنسان.

ماذا يرنو إليه المقال

الصدق والعدل والحق قيم سامية؛ الاقتراب منها يتطلب تجرد، شجاعة، حرية، ومن باب التودد لهذه القيم نفينا إشاعات في حق المرأة والنفي هنا كما أسلفنا ليس دفاعًا عنها إطلاقًا؛ إنما القصد منه وضع اليد على جروح بعقولنا وقلوبنا يجب أن تضمد وتعالج منها ما يخص التربية ومنها ما يخص المنهج تعليم الناس كيفية التحرك والبحث بمنهج وليس وفق أهواء، وبغوغائية بشعة؛ تعليم الأفراد كيفية الحصول على المعلومة وأن الحصول عليها يتطلب جهد ولا جهد يوصى به غير جهد الحركة المدروسة المنضبطة الحكم على المفكرين أو على ظواهر إنسانية أو اجتماعية ليس بالسهولة ولا يمكنك إطلاق الأحكام، أو التصنيف أو أن تقر بكذا دون كذا؛ وجنبك ملاصق للكنبة ليلًا ونهارًا لايفارقها؛ إنما لتحكم وتقر تحتاج إلى جهد ودراسة، وحركة واعية تعبر بها إلى عالم الصدق والعدل، بالإضافة إلى ما سبق يرنو المقال إلى توعية الناس بضرورة القراءة عن أي موضوع، ولا يجب أن نترك الأمر لأشخاص معينين يتولُّون النبش في الحقيقة وننتظر المعلومة جاهزة لنتحرك وفق القيل والقال، وبخاصة أن معنا بديهية: لا كمال إلا لله لا كمال في هذه الدنيا الكل معرض للخطأ، بالإضافة إلى أننا نمتلك أهم المميزات: العقل وأهم ما يدعم، ويقوِّم، ويكون العقل ويمده بالمعرفة السليمة ويمكنه من الوقوف على الحقائق: القراءة، كما لنا من هذه السطور غاية أخرى وهي تفسير ظاهرة سلامة بعض خصوم المستبد من بطشه رغم شراستهم والتوعية بضرورة القراءة وما إلى ذلك من رسائل واضحة في عموم المقال.

في الأخير التأثير يصنع الحدث والفرق، ويبني سدود الأمان والسلام ويمد جسور الدعم والمساندة الناقذة إذا أثَّرت في الآخرين بفكرك أو بفنك، أو بإبداعٍ ما؛ فأنت لا تصنع جماهير فحسب إنما تصنع سندًا وقوة عبرها يهابك أعداؤك ومن ينوي إذاءك عليه أن يفكر ألف مرة، والمعلومة الصادقة وكلمة حق تنطق بها تحتاج إلى كبَد، وجهد، ومشقَّة منك أنت لاغيرك والحكم على الظواهر أقل ما يتطلب التجرد والبحث واستقاء المعلومات من مصدرها الرئيس الموثوق أما الحكم من منطلق قالوا عنه، وانتظار المعلومة جاهزةً من الغير لأخذها والحكم وفقها من دون حتى أن تقلب أو ينظر في صحتها من عدمها فذاك لا يكون إلا حيث البدائية، وفوضى الجهل، كما أن الاعتماد على قالوا يكرس الاتكال والكسل والأشد خطورة فناء السؤال، وإن اعتمدنا قالوا ستكون صدًا لنا عن أهم باب في العمارة والمعرفة ألا وهو: القراءة وتحول بيننا وبين طيَّات الكتب والمقالات، ومصادر المعلومات، وتعطل لدينا خاصية التكفل بالأمور؛ أي استشراء الكسل والخمول والاتكال على الغير في إحقاق مسألة من المسائل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد