“آن الأوان ترحلي يا دولة العواجيز” عبد الرحمن الأبنودي.

(1)

كان سؤاله يبدو ساذجا من فرط بديهية الإجابة عليه “هل أنتم أكثر تحضرًا أم سقراط؟”.

لم يكن أحد من الطلاب يظن أن أحدا من زملائه قد يكون أكثر تحضرًا من سقراط، ومن هنا جاءت الإجابة المنطقية بالنسبة لهم أن “بالطبع سقراط أكثر تحضرا منا جميعا”.
رد الأستاذ بلهجة المتوقع “هذه إجابة من لا يعرف الفرق بين الثقافة والحضارة”.

 

(2)

تعرف الثقافة بأنها الجزء المعنوي من الحضارة المادية. فالثقافة من علوم وآداب وفنون تصب في قالب الحضارة المادية التي تمثلها الآلات والمخترعات والمؤسسات.

ونحن في استخدامنا للمنتجات الحضارية نعد أكثر تحضرا ممن جاؤوا قبلنا، حتى من أسسوا لتلك الحضارة عبر ثقافتهم. يبدو الأمر كمن بنى بناء ليعيش فيه غيره، فثقافتهم سبقت تحضرنا، ولكن تحضرنا تجاوز ثقافتهم.

ولكن الحضارة المادية ليست عنقاء تعيد إحياء نفسها من جديد لتبقيَ على شبابها، بل الحضارة تتجمد وتشيخ، في حين تولد ثقافة جديدة مع ميلاد جيل جديد.

ثقافة تريد أن تخرج من شرنقتها المعنوية وأن تأخذ الفرصة لطرح نفسها في حضارة جديدة.

ومن هنا يبدأ الصدام.

(3)

المؤسسات المصرية الآن تجسد تفكيرا، لا يوجد إلا في متحف التاريخ.

 

يصعب الآن على جيل ينقل المعلومات والبيانات في لمسة من أصبع اليد على جهاز لا يتجاوز حجمه كف اليد أن يدرك أنه مضطرًا أن يقف بالساعات لاستخراج مستخرج لوثيقة، أو بدل فاقد، من إحدى المؤسسات العجوز الشائخة.

 

نظام تعليمنا قائم على ثقافة ما قبل اكتشاف العقل النقدي التحليلي. يقول رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار إن “موازنة البحث العلمي في جامعة القاهرة لا سقف لها”، وهذا بالطبع مردوده واضح للجميع، فمصر تحتل المركز 129 من بين 148 دولة في البحث العلمي!

 

مناهج وضعت بإحكام لضياع وقت الطالب، ونظام يعمل باجتهاد حقيقي لضياع مستقبل الطالب نفسه. لن أقول إن المناهج لا تناسب إنسان القرن الحادي والعشرين، هي لا تناسب الإنسان في أي وقت.

 

نهجنا في اختيار الرؤساء لم يتجاوز بعد الثقافة القبلية، التي قام على أكتافها النظام الأبوي، فمصر منقسمة بين فريقين: فريق يرى أن الرئيس “أب لكل المصريين” وفريق يرى الرئيس “موظفًا في منصب سيادي” ليس أكثر. عد إلى أرشيف التلفزيون المصري وقت الثورة على موقع “يوتيوب”، وشاهد كم مرة تكررت جملة “الرئيس مبارك أب لكل المصريين”، بالطبع لن يرضى أحد الخروج عن طاعة أبيه، ولكن أيضا لا يوجد أب ينفق عليه أبناؤه من ضرائبهم!

 

إذا كنت تحسب أن الثورة كسرت هذه الثقافة، فإليك قول أحد القضاة: “زيارة الرئيس السيسي للقضاة أكدت أنه أب لكل المصريين”.

 

ثقافة الفريق الأول تسيطر على إعلام ينتظر المخلص، يبحث عن الزعيم، يستجدي قيادة القائد. ثقافة سائدة أعطت شرعية لرؤساء ينظرون للدولة على أنها هم، وهم الدولة. كل إنجاز ينسب لهم، كل مرفق يحمل اسمهم، لن يختلف الأمر كثيرًا بين محطة واحدة كانت مخصصة لاسم الرئيس الأسبق، وبين عدد من المحطات تذيع إعلانات تنتهي بصورة للرئيس الحالي كانت تستخدم في دعايته للانتخابات.

 

مؤسسات الدولة كلها متجمدة بين ثقافتي الستينات والثمانينات، لم نتحرك خطوة باتجاه المدنية ومازلنا في عسكرة دولة الستينات، الرئيس يحسد عهد عبد الناصر لأن الإعلام كان لا يتحرك إلا بإشارات من أصابع يديه.

 

ثقافة حرية الإعلام وعصر الفضاء المفتوح وولاء الإعلام فقط للمعلومة ظهرت بعد أن تجمد الزمن عند نقطة معينة داخل مؤسستنا الإعلامية بفعل فاعل.

 

ولم نطرح سياسة اقتصادية أبعد كثيرا عما كان عليه الحال منذ منتصف السبعينات، رفع الأسعار هو الحل الأمثل لكل مشكلة، انتظار معونة الحلفاء مقابل تسهيلات لهم هو المخرج، الخصخصة هي المقصد من كل توجه اقتصادي.

 

وسوف يأتي مجلس شعب بثقافة الماضي. رجال أعمال أتقنوا اللعبة التي لم تفسد بعد قواعدها، الإنفاق مقابل الأصوات لجني الكراسي، مع الانضمام لحزب شكلي لاكتساب النكهة السياسية، ثم شرعنة قوانين تضمن التوازنات بينهم وبين السلطة. ثقافة النائب القادر على تقديم الخدمات مازالت سائدة، أما النائب القادر على تشريع القوانين فمكانه هنا ليس في المجالس التشريعية!
(4)

“إلى متى نعبد الصنم بعد الصنم كأننا حمر أو نعم (=أنعام)؟ إلى متى نستظل بشجرة تقلص عنا ظلها؟ إلى متى نبتلع السموم ونحن نظن أن الشفاء فيها؟” أبو حيان التوحيدي

 

(5)

انكسرت ثقافة أبناء جيلي على صخور حضارة الماضي المتحصنة بالمنتفعين. شباب تجدهم الآن بين مسجون ومقتول ومنتحر ومهاجر، أو للهجرة منتظر. يرددون مرثية اليأس، بينما على الجبهة المقابلة تنشد أهازيج النصر.

 

الطرفان أغفلا عاملا حاسمًا، يكشف عن أن مؤسساتهم مهما بلغ رسوخها، فهي قائمة على رمال متحركة، وأن حضارتهم التي يستندون عليها نخرها الزمان فاهترأت مثل عصا سيدنا سليمان التي أكلتها حشرات الأرض، ولم ينتبه أحد إلى اهترائها إلا بعد سقوط من يستند عليها.

 

الجميع أغفل أن لتطور المجتمع الإنساني سطوة تفرض على الجميع الخضوع لها، حتى لو بلغ حراس الحضارة القديمة من النفوذ عتيًا.

 

انهارت حضارة العصور الوسطى أمام ثقافة التنوير، فنتجت الحضارة الصناعية الأوروبية، وانهارت النظم الشمولية أمام ثقافة العقد الاجتماعي والمدنية التي قامت عليها النظم السياسية الحديثة.

 

(6)

ثقافتنا مولود ولد في ميدان التحرير، والمولود لن يعود إلى بطن أمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد