مع مرور السنوات ستتغير كثيرًا، ستحب ما كنت تكره، وقد تكره ما كنت تحب، ستنسى ما تعلقت به، وستمضي بك الأيام لتجعل منك شخصًا آخر لا يشبهك أبدًا.

مرت على مسامعي تلك الكلمات مِرارًا، ولم أدركها، وظلت معي هكذا عالقةً في ذهني، أبحث فيها عن معنى يلمسني أو أجد لها تفسيرًا يشبع حيرتي.

فشاركتُ رضوي عاشور تساؤلها: عن كيف يمكن للمرء أن يركض محمومًا في اتجاه، ثم يعود يركض في الاتجاه المعاكس؟ وكيف يتحلل الشيء البهي كوردة فيثير في النفس التقزز والنفور؟

كيف يمكن للإنسان أن يبغض شيئًا كان يُكن له حُبًا أو أن يهوى شيئًا رأى فيه قُبحًا؟ وكيف يُعقل أن ينسى القلب ما تعلق به دومًا؟

حينها قررت أن أمضي في طريقي باحثًا، عن كيف لا تشبهني نفسي.

وفي مرحلةٍ ما، أجهل تغيرات أصابتني، فلم أكن مضطربًا ومهتزًا في طريقي هكذا من قبل، أخاف أن أفقد شيئًا ما بداخلي، شيئًا لا أستطيع لمسه ولا حتى الوصول إليه، يقودني أحيانًا ذاك الشيء إلى الجنون، وأحيانًا يكون بمثابة قشة الغريق التي تعلق بها وسط بحرٍ هائج، عندها فقط أصبحتُ أخاف أن أفقدني !

وتغيرتُ بعدها كثيرًا، تغيرت دون أن أدري، كان انهماكي الأكبر في إحداث مزيد من الضجيج حولي، محاولةً مني لإخفاء خوار نفسي وقلة حيلتي وهواني على الناس.

تفضحني صفحاتُ وجهي وفلتاتُ لساني، ويتملكني شعور الوحدة – والظلام – عمن حولي حتى وأنا بين أقربهم إلى قلبي.

تمر عليّ من الأيام التي لا أدرك فيها الأشياء من حولي إلا بعد مرورها، أو لا أدركها أبدًا رُغم هوانها في عين من حولي.

أكتب الآن وأكتب كثيرًا، أكتب ولا أعلم لماذا أكتب، فتخرج مني الكلمات دون حساب، ولا تتمهل، كأنها تريد أن تتحرر من قيدي وقيدها.

أصبحت أجهل ما أنا عليه الآن، وأكره كوني لا أستطيع إدراك نفسي، ولكن أكثر ما يقلقني أنني أعتاد الأمر ولا أقوى على مقاومته، وأبغض ضعفي هذا كما أبغض تعودي، وربما صدق قولهم بأنه لا شيء يستعصي على ترويض الزمان ، فما روضني عليه زماني لم يكن في مخيلتي وما كنت أرنو إليه لم يكن هينًا كما خُيل إليّ.

وفي طريقي، أمضي تائهًا مني وممن حولي، وأستحضر دائمًا كلمات أحدهم حين قال بأنه أصبح يرى الناس جميعهم ولا يرى فيهم أحدًا، كأنه قد زهد فيهم جميعًا ولا يريد سوى أن يمضي في طريقه دون أن يعترضه أحد، فقط يريد أن يمضي.

وكذلك أنا، لا أريد الآن سوى أن أمضي في طريقي، مُهلكًا نفسي سعيًا حتى أجد ذاتي الضائعة، ومحتفظًا بما تبقي لي من إنسانيتي، وقليل من هوسي.

وما زلت أسعى في ذلك جاهدًا كي أُشبهني، فألتقي بنفسي التي ضاع صوتها وقلت همتها وشح عطاؤها، فيُخيم عليّ صمتي، ويخلو بي ليلي فأصبحُ مِثله: «صامتٌ وحزين، وما زلت أخاف من صمتي الذي لم يأت بعد»، ذاك الصمت الذي يصف شعورًا عجزت عن التعبير عنه، ربما لأنني لستُ أنا القديم ولا زماني هو ذاك الزمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد