إذا أردت أن تتحدث عن مفهوم المثالية في السينما المصرية، فسوف يأتي على مخيلتك رائعة الكاتب الكبير «ثروت أباظة» «شيء من الخوف»، ذلك العرض السينمائي الذي كان من إنتاج المؤسسة المصرية العامة للسينما، المملوكة للدولة، وكان يتولى رئاستها آنذاك الأديب «نجيب محفوظ».

وقد رشح لجائزة مهرجان موسكو السينمائي، وجسده مجموعة من عمالقة الفن المصري، الذين اجتمعوا لعرض سيمفونية خيالية، اشترك في توزيع ألحانها ثلة من العباقرة، أمثال «عبد الرحمن الأبنودي» الذي أبدع في كتابة الحوار الدرامي لهذه الملحمة، وكتب السيناريو السيناريست «صبري عزت» ثم قام بتأديتها حفنة من رواد الإبداع، والذين مثلت لهم هذه التجربة الرائدة علامة فارقة في مشوارهم الفني، أمثال الفنانة المتميزة «شادية» والتي كانت تمثل دور البطولة، وقامت بدور «فؤادة»، والفنان الرائع «محمود مرسي»، والذي أدى ببراعة دور «عتريس»، والفنان القدير العملاق «يحيى شاهين» في دور «الشيخ إبراهيم».

وإذا أردنا أن نلج على كم الرسائل السياسية والاجتماعية التي بثها ذلك العرض الرائع، الذي استغرق 95 دقيقة، والتي أبدع في إخراجها على هذا الشكل المخرج العملاق «حسين كمال»، والذي تعمد أن يكون عرضه بالأبيض والأسود، ولم يجعله بالألوان؛ لبث نوع من الأناقة والرونق، الذي جعل الفيلم وكأنه مرآة تعكس حال المجتمع، والذي عبر عن حالته المأساوية وقتها.

الفنان «بليغ حمدي» الذي قام بإضافة موسيقاه التصويرية على طول العرض السينمائي، وجعله ينبض بمشاعر إنسانية ثورية كلاسيكية، تجعل المشاهد يبكي دمًا، وكأنه في قلب الحدث، وإذا أردنا تفسير وشرح تلك الرائعة، ومجموعة الدلالات والرسائل التي حملتها، فلن يكفينا مجلد، حتى إن الممثلين الثانويين الذي قاموا بالأدوار المساعدة، سرقوا بريق الكاميرا من أبطال العرض، وما زالت تلك الجمل التي تمثل كليشيهات في السينما المصرية، تكتب بأسمائهم حتى وإن كنا لا نعرفها.

فيلم شيء من الخوف إنتاج عام 1969م، وكان عبارة عن قصة قصيرة لـ«ثروت أباظة» تحدث الكاتب فيها بقصد أو بدون قصد عن حقبة سياسية، قام بمواكبتها، وأطلق العنان لقلمه السيال، ليضع يده على الجرح العربي المندمل، ويضغط وبشدة حيث إنه وعقب التغيرات التي حدثت في العالم العربي من حركات عسكرية، قضت على الملكيات، ثم ركبت السلطة، ولكن كان تعاملهم مع الشعوب باعتبارهم ميراثًا، فلم يجد الكاتب رمزية لهذا المشهد العبثي، وكان محقًا تصويرًا وتشبيهًا لهؤلاء الطغمة، بأنهم مجموعة من العصابة والمرتزقة التي تقتات على دم الفقراء، وسلاحهم الوحيد الذي يملكونه هو الخوف.

ودارت القصة في فلك الخوف، ذلك الحاجز النفسي الرهيب، وهذا السد المنيع الذي لم يحتمل طوفان الغضب الشعبي الكامن في الصدور، حتى أتى دور النهاية وتم كسره؛ وذلك كناية عن ديمومة انتصار الحق، وزوال دولة الباطل، والنهاية المأساوية للمستبد والتي يستحقها، والتي فعلًا كانت نهاية واقعية لمن كان الإسقاط السياسي موجهًا لشخوصهم بالأساس، وذلك في الحقبة الناصرية.

وكانت قصته التي دارت في قرية مصرية صغيرة مسماة «الدهاشنة»، وإن كانت تمثل كل أمة وقعت تحت نير الاستبداد والعبودية، والظلم والفقر والجهل، وفي كل مكان وزمان، كما عبرت عن ذلك أغاني الفيلم التي يتردد صداها في أذن المشاهد، ويفهم كل حرف من معناها.

وهي مستوحاة من خيال المؤلف، وكأنه قصد بهذه الحالة، وصف الأمة التي لا تنفك من الدهشة عند كل ظرف، فالأحداث تتوالى عليها في تواتر غريب ومستمر، وهي لا تملك إلا أن يكون ردة الفعل لديها سوى الدهشة والاستغراب.

في القصة حيث يفرض «عتريس» (محمود مرسي)، والذي يمثل الحاكم المستبد سلطته على أهالي القرية، ويفرض عليهم الإتاوات، كان «عتريس» يحب «فؤادة» (شادية) والتي دلت من أفيش الفيلم بذلك الجلباب الأسود القاتم الذي غطى جسمها، وكذلك الوشاح الذي عصبت به رأسها، وكأنها المخطوفة من أهلها وبحق مصر.

ومن أعظم المشاهد التي مثلت رمزية في ذلك العرض أن «عتريس» الذي كان يحب «فؤادة» منذ نعومة أظافره تتحداه بفتح الهويس، الذي أغلقه عقابًا لأهل القرية، فتقف أمامه وهي شامخة مرفوعة الرأس بجبينها الأبيض الناصع، مستقبلة فوهات بنادق عصابته، الذين لم يروا عقابًا على هذه الفعلة إلا القتل، ولأن «عتريس» يحب «فؤادة» لا يستطيع قتلها، فيقرر أن يتزوجها.

وهنا رمزية صارخة على كيفية حيازة المستبد للبلد، فهو يذهب عنوة وتحت قوة السلاح حتى يكسر شوكتها، ويقوم بخطبتها من والدها، الذي يحمله الذل، ويحركه الخوف من القتل أن يوافق وهو مكره، بل ويتم تزوير العقد بشهادة عدد من أهل القرية، والذي كان يمثلهم الشيخ المحفظ لكتاب الله في دلالة على السلطة الدينية، وآخر يمثل النخبة التي أوجدت حلًا غير شرعي؛ للنأي بعيدًا عن فتك السلطة الباطشة.

ومثّل مشهد العقد كيفية حيازة تزوير إرادة الأمة؛ حتى يكون للمغتصب الحق في استباحتها، العرض كله من أول ثانية إلى آخره رائع وملهم، غير أن هناك ثلاثة مشاهد مثلت الرسالة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي دارت حولها القصة.

المشهد الأول: وهو استنكار الشيخ «إبراهيم» للباطل، الذي ينتفش وإعلاء صوته بكلمة الحق، والجهر به غير عابئ بالعواقب الوخيمة التي ستحل عليه من وراء ذلك، ولا أدري الرمزية السياسية التي قصدها الكاتب للشيخ «إبراهيم» في الحقبة الناصرية غير التيار الإسلامي، الذي فقد الغالي والنفيس لأجل إنفاذ رسالته، ورفضه الظلم.

وفي المشهد الذي يعد ردًا من «عتريس» على عدم سكوت الشيخ «إبراهيم» فيقوم بإغراق أرضه، فيصمم أكثر وأكثر ويقول إن العقد باطل، وكان يتهدده «سليمان عصفوري» الذراع الأيمن لـ«عتريس» والذي قام بدوره المبدع «صلاح نظمي»، وهو يردد من فوق صهوة جواده: «اسكت يا إبراهيم.. عشان خاطرك مش هقول لعتريس» ويقول الشيخ «إبراهيم» في جسارة وبسالة غير منقطعة النظير «متقلش.. صوتي هيوصله».

المشهد الثاني: والشيخ «إبراهيم» يحدث الناس عقب صلاة الجمعة، عن أمر بطلان عقد المستبد، فيظهر الكاتب أصناف الناس في الرد، وحتى بالسكوت والإيماء بالنظرات، فلم يكن بينهم إلا كل مثبط ومحبط وجبان! ويحّملهم المتحدث وهو الشيخ «إبراهيم» التبعة بعد أن يرمقهم بنظرة تعبر عن مدى الرفص للانبطاح والسلبية والجبن، الذي هم فيه، فيكونون سواء بسواء مع المجرم شركاء له بالسكوت، والصمت المطبق.

ثم يأتي المشهد الأخير والذي يمثل أيقونة الفيلم، وهو مشهد سفك دماء أفضل وأعز وأغلى الشباب، في رمزية عن أن توحش الباطل واستشرائه لن ينفك، طالما بقي الصمت هو القائد، وأنه لن يتوانى للحظة لتحقيق السيطرة، حتى وإن كان السبيل هو سفك الدماء، فيقتل «محمود» ابن الشيخ «إبراهيم» في ليلة عرسه، ويُحمل على أكتاف أهل القرية، ويذهبون به في ثورة عارمة انطلقت فيها كل الحناجر التي كانت مغلولة، حتى يتم الانتقام، وينكسر حاجز الخوف، ولا يجد الخلق ما يبكون عليه فقد ضاع ما ضاع!

وفي الأخير وفي مشهد «التوتالة» والخلاصة والنهاية، وعندما يدنو الموت من رقاب الطغاة، فيهمون بالهرب السريع، ويأتي دور الفنان الثانوي «وفيق فهمي» الذي أدى دور «عبد المعطي» ليقول كلماته الشهيرة، والتي تمثل عتاب الأشرار وتلاومهم فيما بينهم، حيث قال في آخر جملة له «لا يا عتريس الدهاشنة دلوق متسعش غيرهم وبس»، فيقول «عتريس» وقد بدت على ملامحه الاستسلام والخضوع «أنا أقتلكم كلكم يا كلاب» فيرد عليه «إحنا كلاب بصحيح، وإلا مكناش نبقى مطرودين! أدي البلد في ناحية وإحنا في ناحية.. كنا زي الديابة تنك تعوي وإحنا نعوي وراك.. قتلنا وسرقنا أرض ونهبنا بيوت! طلعت فؤادة قالت لأ! اتخرسنا وعلى صوت الدهاشنة سامع يا عتريس البلد جاية على هنا، نقف في وش النار.. نقف في وش السيل! الصوت بيقرب بيخش من الحيطان! إحنا ماشيين يا عتريس إذا كنت عايز تقعد اقعد! بس بشرط واحد تقتل الدهاشنة كلها».

وينتهي العرض الممتع بأن واحدًا من أقرب المقربين إلى «عتريس» وهو ذراعه الأيمن «إسماعيل عصفوري» يضحي برأس العصابة؛ حتى يكون ملهاة لينجو باقي الجسد، يضحي بالمستبد ويوصد عليه باب القلعة التي يحتمي بها من الغضب الشعبي، فيموت مخنوقًا محروقًا.

ولما تصل الأنباء إلى «جمال عبد الناصر» من جهاز الرقابة أن هذا الفيلم به إسقاط سياسي، قام به فريق العمل وكانوا يقصدونه، فشاهده مرتين كانت إحداها مع السادات، الذي يقنعه بأن المحتوى درامي، يتحدث عن لصوص وقطاع طرق، وأن الشبه غير موجود، ويكتب ميلاد ذلك العرض الرائع ليكون وبحق إسقاطًا سياسيًّا رائعًا لكل نظام ديكتاتوري مستبد، يعيش في كل زمان ومكان، دونما يشير إلى اسم طاغية أبدًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد