جميلٌ أن نكون متفقين، لكن حين يكون محور الاتفاق أنَّ قضيتنا تعيش أسوأ مراحلها، وأنها ستنتهي إن لم نفعل شيئًا، فإن الجمال يُلوَّث بشيءٍ من الحزن.. ولكن على الأقل ها نحن اتفقنا على شيءٍ أخيرًا، فبعد كل تلك السجالات والمزايدات وصلنا إلى الخلطة السحرية التي ستنهي مآسينا، وستجعلنا قادرين على مواجهة من يحتلوننا بصورة وحدوية، في إطار لوحة وطنية تجسد معنى التآخي والترابط بين أبناء الشعب الواحد، فحتى وإن لم نكن نمتلك القوة الكافية لمواجهتهم، فقد فعلنا شيئًا على الأقل، وإن متنا بعدها سنموت معًا وفي نفس الخندق، سنموت ونحن ندافع عن أنفسنا وقضيتنا، وسنقول للعالم إننا موحدون في وجه أعدائنا، وأننا نمتلكُ إرادةً واحدةً وبرنامجًا نضاليًا موحدًا نتفق جميعًا عليه.

نعم لم يبق أمام العالم أي مبرر ليتلاعبوا بقضيتنا، فتلك الشماعة التي كانوا يُعلِّقون عليها تخاذلهم وتهميشهم للقضية الفلسطينية، قد شارفت على الانتهاء، وستكون شيئًا من الماضي الغابر، وستصبح كلمة الفلسطينيين واحدة، وسيختارون من يمثلهم، ويقود مسيرتهم النضالية والبنائية عبر مؤسساتٍ شرعيةٍ تُمثل جميع الفلسطينيين، فقد شارفت تلك السنوات السوداء على الانتهاء، ولن يكون لها أيُّ أثر في مستقبلنا، بل سنمحو آثارها من صفحات التاريخ أيضًا.

لقد وجدنا تلك الطريق التي كنا نبحث عنها منذ زمن بعيد، تلك الطريق التي ستختصر كل المسافات التي قطعناها في مشوار البحث عن وطننا الذي أضعناه، وسنبلغ في منتهاها ما نصبو إليه، فكل الطرق السابقة التي خضناها لردم تلك المسافة بيننا وبين وطننا السليب؛ لم تكن سوى سرابٍ في صحراء لا طرق فيها سوى السراب ذاته، كلما وصلنا إلى منتهاها وجدناها تبدأ من جديد.

ستنتهي تلك السنوات التي لم نستطع أن نكتشف فيها أن حلَّنا وخلاصها في الاتفاق على انتخاباتٍ حرة ونزيهة، إن أجريناها حُلَّت جميع العُقد، وانحلت جميع الخلافات.. لقد كنا من الغافلين فعلًا، بل من المغفَّلين، إذ كيف لم تخطر ببالنا تلك الفكرة ونحن نجوب أقطار العالم بحثًا عن من يجد لنا حلًا، أو يُرشدنا إلى طريق نستطيع من خلاله إنهاء خلافاتنا وكل تلك السنوات العجاف.

ستنتهي تلك السنوات وذكرياتها، حين تبتهج قلوبنا فرحًا ونحن نرى الشعب الفلسطيني في جميع أماكنه يذهب مسرورًا إلى صناديق الاقتراع ليدلي بصوته، ويختار أُناسًا يُمثلونه، ويقودون مسيرته.. ستنتهي تلك السنوات، حين نحتفل معًا بذلك المشهد الديمقراطي الذي سيجسده ساستنا وأحزابنا وفصائلنا في تقبل نتائج الانتخابات بصدرٍ رحب، فقد أبدى الجميع تحمسه وتأييده لتلك الانتخابات، وهو ما يعني أنهم سيعملون بكل جهدهم لتستلم الحكومة المنتخبة مهامها، وسيذللون جميع العقبات التي يمكن أن تكون عائقًا أمامها لحل جميع القضايا العالقة، فقد بات الأمر ضرورةً يُجمع الكل عليها.

ستنتهي تلك السنوات، حين نرى ذلك المشهد الذي نترقبه بشوق، لنرى بأم أعيننا مراسم تنصيب رئيسٍ جديدٍ للشعب الفلسطيني، يكون محل إجماع الكل الفلسطيني، ويمثل الفلسطينيين في جميع المحافل، ويكون رمزًا لوحدة الشعب الفلسطيني، وقائدًا حقيقيًا يُسخِّر جميع الطاقات والإمكانيات التي يمتلكها الشعب الفلسطيني، لخدمة مسيرته النضالية في استعادة حقوقه المسلوبة.

ستنتهي تلك السنوات، وسنمحو آثار الماضي في تلك اللحظة التاريخية التي سنرى فيها جميع فصائلنا وأحزابنا منضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، المؤسسة النضالية الأم، بعد أن تُجرى انتخابات المجلس الوطني، ويعاد تفعيل المنظمة لتصبح اسمًا على مُسمَّى، وتقود عملية النضال ضد الاحتلال، ويتفق الكل الفلسطيني على برنامج نضاليٍّ موحد، يستطيعون من خلاله إعادة القضية إلى مكانتها الطبيعية، في صدارة القضايا على مستوى المنطقة والعالم.

نعم؛ ستنتهي كل تلك الأحلام الوردية التي لا تجرؤ حتى على أن تجول بخواطرنا في عالم الواقع الذي نعيشه، هذا العالم الذي يجعلنا في حالةٍ من الهذيان، لا ندري أحقٌّ ما نسمعه أو نكتبه.. ولكنَّ الأمر مَحْضُ لحظةٍ يتجلَّى فيها شعورٌ بنشوة التحكم.. التحكم بالعالم، بالحدود، بالأوطان، بالأشياء، وحتى بالساسة والحُكَّام ومصائر الناس.. هي لحظةُ تجرُّؤٍ على الواقع الذي نعيش، وعلى السذاجات التي تُساق لنا، وعلى كل شيء ليس له من المنطق شيئًا، ولكنه في محصلته تجرُّؤٌ على الورق؛ أو بالأنامل لا أكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد