يَنظر أحدنا للآخر فيظن أنه يعيش مُنعمًا يستلقي على حرير ويأكل من كُل ما لذ وطاب دون انقطاع، يظن الناظر أن الآخر يحيا أسعد ما يكون دون قلق أو عناءٍ أو تعب، لا يعرف عن الابتلاء أو الألم شيئًا. كل هذا لأنه رآه قادرًا على الضحك أو حتى الابتسام، والغريب أن كل هذا وهم وخيال لا يكاد يبارح رأس معتقده لا أكثر، لأنه يفعل ذلك متناسيًا أن المرء لا يرى في الناس إلا ما فقد في نفسه.

إن كل الأحياء من الإنسان والحيوان والجماد مبتلون بطريقة أو بأخرى، لسبب بسيط جدًّا، وهو أن الدنيا ليست دار قرار، ولو وُجد إنسان يعيش منعمًا دون ابتلاء لظن أنه يعيش الحياة الأبدية الخالدة، وأن هذه دار المستقر والمستودع، ولما بات للآخرة ثقل ولا واقع ولا حتى حاجة! وهذا الكلام وما يشابهه ليس من الصحة بمكان.

إنما نحن نعيش في الدنيا التي من مسماها يتضح قدرها، دُنيا يا سيدى! فأنى لها أن ترقى بنا وليس لها القدرة أن ترقى باسمها. هذه هي الدنيا التي قال الله تعالى فيها «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» آل عمران/185، فلا تظن ألا دار بعدها، بل هي دار عبور وليست دار استقرار، فهل يمكن للعاقل أن يبني بيته فوق جسر؟!

إيمانًا بأن الدنيا دار ابتلاء فذلك نصف طريق الوقوف على حقيقتها، والنصف الآخر يكمن في تقبل كل ابتلاءٍ مهما كان، ولأن الإنسان مُخيَّر فإن من أشد ابتلاءاته في الدنيا؛ سلب الإرادة، أو بمعنى آخر أن يبتلى في حريته.

والشخص الحُر في زمننا هذا معرضٌ للابتلاء والحسد في حريته تمامًا كأهل العِلم، فهو بحريته قادر على الاختيار والرفض والحب والسفر والاستماع والنظر واتخاذ القرار والتقرير أو عكس كل ذلك إلم يُرِد.

لذلك فإننا ربما سندرك يومًا أن كلمة العالم الموضوعي وكل ما طرأ عليها من فخامة أو استظلت به من تمجيد هو مجرد فراغ. فعالم البحث الموضوعي لا يكون موضوعيًّا إلا إن ظهرت له نتائج، وإلى أن يحدث ذلك فهو عبارة عن مجال راكد يخضع للقوانين والطبيعة والمادة، أسير بين عالم الأسباب وميادين النتائج.

والناجح حقًّا في مثل ذلك من عالم، هو من يجبر نفسه على الصراخ في وجهه منذ لحظة الميلاد بلا تردد قائلًا: جئت لأتعرف إلى ماضيك وأقرأ بالتدبر والتفكر والعلم حاضرك، لأطور مستقبلي الذي هو جزء منك وأساهم في تصميمه بكل ما أملك من قوى.

ذَلك الذي لا يغمض عينيه حتى تمر العاصفة، فلا هو رآها ليتعظ ويتحرك من موضعه، ولا إغلاق عينيه قد منع وجودها المدمر. فالاختيار أعظم دليل على الحرية، تلك التي لا يمكن أن يعلم الإنسان ماهية نفسه إلا بها.

فحقيقة الإنسان الكاملة تكمن فيما يتمتع به من حُرية ذاتية، فيما يمتلك من قيم ومبادئ داخلية، تلك الأشياء التي لا يستطيع أقرب الأقربين إليه من البشر أن يشعر بها أو يراها، بل لا يعرف هو بدوره كيفية التعبير عنها بلسانه مهما اجتهد، فيحيا بها بعيدًا عن الكُل سِرًّا لا يمكن البوح به وكنزًا لا يُتخيل التخلي عنه.

وعلى هذا لا يمكن للواقع الذي يعيش فيه الإنسان أن يصبح هو أداة الحُكم عليه، فربما كان مجبرًا، فكم من قائلٍ «مجبر أخاك لا بطل» لأنه لم يختر ما طرأ عليه، أو ربما كان أحد أولئك الذين يُضّحون بسعادتهم وتحقيق أحلامهم ولذة الوصول لأهدافهم من أجل آخرين معلقين بأعناقهم، فيتحول جزء كبير من حريتهم إلى مسؤولية، والتي هي بدورها «حرية الاختيار»، وقد رأيت كثيرًا من أولئك العظماء في طريقي.

إن قيمة الحرية التي تقبع في داخلك هي ما تحدد قدرك أمام نفسك، ومستوى رضاك عما تملك، فحتى وإن لم يتحقق ما حلمت به يومًا فإنك تسعد بملكه في قلبك، وما ملكت القلوب أسمى مما يُرى أثره على أرض الواقع، ولذلك يُعامل الله تعالى القلوب، ويثيب على النوايا ونقاء السريرة التي لم يلوثها الواقع بأحداثه المتعاقبة.

الحرية لا يمكن أن يُضحى بها، بل يضحىٰ بكل ما عداها في سبيلها، فيسقُط الحب الذي يَستعبد صاحبه، وتَزول المناصب التي تُحَول صاحبها لأداة لا تقول إلا سمعًا وطاعة، وتتبدد لذة النَجاح إن كانت الحرية هي ثمن الوُصول. لماذا؟

لأنه لا شيء في سُلم القيم يعلو على الحُرية.

فالحُرية لا يُضحى بها إلا للحصول على قدرٍ أكبر منها، ولا يَعلم قدرها إلا من ملكها وكانت غايته الأولىٰ.

من أقل ما يمكن أن يقال في الحرية التي يستهين بها البعض، أنها هي دليل الإنسان الشامل في إجابته على طفلٍ يحاول الاستدلال من خلاله على وجود الله، ويحثه فضوله على معرفة عظمته تعالى بصوت المسؤول. «ولكل إنسان بصيرة».

فإذا علمت أنك مسؤول فأعِد للمسألة جوابًا، وكن مسؤولًا حُرًّا تنصره وتنجيه حريته، تنفع بها غيرك وتسعد بها في دُنياك.

دُمتم في أمان الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد