هل رأيت لعبة بدون قواعد؟

تخيل معي لو أن لاعبًا أخل بقواعد لعبة كرة القدم، وأصر على ذلك في الملعب، ما جزاؤه؟ الطرد من الحكم، السخرية من الجمهور، لم؟ أخل بما اتفق عليه من قواعد قواعد اللعب!

تخيل معي لو خرج أحدهم وقال: لا داعي لإشارات المرور ودع كل قائد يفعل ما بدا له؟ ربما يصفه البعض بالجنون.

تعمق أكثر، وقل رأيك لو اقترح أحدهم أن نضع على الشاي أرزًا بدلًا عن السكر! وعلى القهوة ملحًا بدلًا عن أن نشربها سادة! قد تقول هو حر، لكن لا وصف له إلا بالسفه؛ لأنه وأمثاله خرجوا عن قواعد اللعبة، خرجوا عن قواعد العرف في العادات.

لكن. ما رد فعلك حين تعلم أن هناك من يخرج عن قواعد الثقافة واللغة والدين والحضارة ولا يوصف بمثل ذلك؟!

هل رأيت لافتات باللغة العربية على أغلب محلات ومتاجر فرنسا وألمانيا؟

هل شاهدت إعلانات باللغة العربية على القنوات الرسمية في أمريكا وإيطاليا موجهة لأهل هذه البلدان؟

هل سمعت بافتتاح دور حضانة باللغة العربية فقط لأطفال تلك الشعوب؟

هل علمت بأن المثقفين منهم – غير الرؤساء- يخاطبون شعوبهم باللغة العربية أو حتى العامية من لغتهم الأم؟

هل بحثت عن مناهج تعليمهم في المراحل الأولى فوجدت فيها منهجًا للغة العربية؟

قوم يعتزون بلغتهم – وهويتهم – الفرنسية، الإنجليزية، الإيطالية إلخ… لهم كل الاحترام لأنهم يعلمون علم اليقين وعينه أن لغتهم تعني ثقافتهم وهويتهم وأصلهم، يعني بالعامية من (عيلة)، ولهم (أصل)، وطبعًا من لا أصل له ولا جذر لثقافته يظل يبحث حتى يعثر له على كبير له وأصل ولو وهمي، فما بالك وعندنا الأصل والجذر ولا نعيرهما اهتمامًا؟!

يعجبني أنهم يتقنون لغتهم ولا مانع ول احرام من إتقان لغة أخرى بعد الأم.

هل نفعل ربعهم؟ ربما… يقول، الدكتور سعيد إسماعيل علي في كتابه القيم: مماليك هذا الزمان: نخطيء كثيرًا إذا ما حسبنا القوة الإسرائيلية بمقدار ما تملك من معدات عسكرية، فالقوة المجتمعية منظومة متكاملة من العناصر، والإصرار على اللغة القومية أحد هذه العناصر، ولنقارن بين ما يفعله العدو الإسرائيلي بتعليم لغته، لنفهم ما يقوله القادة العرب من أننا أضعف من هذا العدو فهل بذُل أقصى الجهود وأمضاها للتعليم بلغتنا، وتعلمها بدرجة عالية المستوى أمر نعجز عنه؟ إنه صورة من صور المقاومة الحضارية التي هي البنية الأساسية للمقاومة على وجه العموم.

هل أتقن أطفالنا لغة وطنهم وثقافة بلدهم حتى يستوردوا، بل يفرض عليهم لغة غيرهم في مقتبل عمرهم؟

هل يلتزم الخطباء والمثقفون وأهل الفكر بلغة وطنهم إن كانوا كما يقولون: يحيا الوطن.

دعك من كل ما سبق، فالقرآن نزل ليكون منهج حياة، لا تجد فيه آية تأمر بحفظه – والحفظ مطلوب – بل الدعوة أن نتبعه ومن الاتباع اتباع منهجه، واتباع لغته، واتباع أدبه إلخ. اقرأ ما تشاء من أقوال المفكرين العرب وغير العرب، انظر كم بذل علماء المسلمين في خدمة الإنسانية، هل يعرف شبابنا شيئا عن لسان العرب؟ هل يعرف شبابنا شيئًا عن سيبويه؟ هل يعرف معلمونا شيئا عن كتاب العين؟ إلخ… اللغة ليست قواعد تحفظ فقط بل منهج حياة وتفكير، لا سامح الله من شوهها، وشوه تعليمها وكره الناس في الكلام بها ولو في الرسميات. رحم الله الشاعر محمود غنيم حين قال:

إن الذي يشنأ الفصحى وينكرها ** يدعو على لغة القرآن بالشلل

وحين قال:

آفة الضاد مارق من بنيها ** هو شر من ألف ألف دخيل

نعم لو خرج ابن جني من قبره، ونظر في لا فتات الشوارع، واستمع لما يقوله أصحاب الفخامة مذيعو التوك شو، وأصحاب العدالة بعض قضاة المحاكم، وما يردده بعض معلمي العربية بين طلابهم، لقاتلنا وقتل نفسه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ابن جني
عرض التعليقات
تحميل المزيد