لأول مرة يزور محمد بن زايد دولة أفريقية غير مصر، فعادة عيال زايد يحجون جهرًا وسرًّا إلى أوروبا وبلاد الشيخ ترامب، وشيخ هذه من باب أن الأخير بلغ من الكبر عتيًا، وليس شيئًا من التدين، وقليلًا من الوقار أعزكم الله.

وصل محمد بن زايد إلى أديس أبابا صبيحة يوم الجمعة الماضي، أول أيام عيد الفطر المبارك، في زيارة ولمدة يومين، التقى خلالها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ناقش خلالها العلاقات بين البلدين، وقدم له السبت قبل أن يطلب هو الأحد، إذ دفع ولد زايد مليار دولار وديعة في البنك المركزي الإثيوبي، ووعد بضعفها استثمارات ومساعدات.

بدورنا نتساءل: هل كل هذه المنحة والهبات قدمها عيال زايد ابتغاء مرضاة الله، وأن إثيوبيا تعاني أكثر من الإخوة الأشقاء في غزة والضفة الغربية، وأن اقتصاديات الإخوة الذين أصبحوا رفقاء الدرب والسلاح في السودان وأرض الصومال أصيبوا بالتخمة، ولا تتحمل بنوكهم المركزية قروضًا مليارية، كما هو حال البنك المركزي الإثيوبي؟

حسب معرفتي المتواضعة عن عيال زايد والأموال التي يدفعونها، غالبًا ما تحمل معها قدرًا كبيرًا من الفتنة والفوضى الخلاقة التي تظهر بوضوح في ليبيا، ومصر، واليمن، وفي الصومال، وجيبوتي، الدولتين اللتين فهمتا أصل الحكاية، وبحمد الله تجنبت تونس فتنة كادت أن تقضي على الأخضر واليابس فيها؛ بسبب أموال الإمارة التي أصبحت كالنبت الشيطاني.

فغالبًا هذه الأموال أشبه بالرشوة لرئيس الوزراء الإثيوبي الجديد؛ لكيما يقوم الرجل بتحييد النفوذ القطري التركي في إثيوبيا، وليضمن قدرًا من التأثير في قرار سد الألفية الذي تشيده إثيوبيا، وهو أكبر مشروع تنموي في القارة الأفريقية على الإطلاق، إذا ما نفذ حسب ما هو مخطط له، خصوصًا أن الإمارة الصغيرة حجمًا والأكبر طموحًا قد منيت بهزائم ساحقة في منطقة القرن الأفريقي في كل من «جيبوتي، الصومال، ودولة أرض الصومال الانفصالية غير المعترف بها»، ولربما ترغب أيضًا في أن تحصل على قدر من النفوذ في البلد الذي يمثل المحرك الرئيسي للسياسة في القارة الأفريقية، بالإضافة لمواصلة الضغط على دولة قطر في العلاقات الخارجية.

لكن هل كل هذا يمكن أن يتحقق بسهولة أو بمجرد دفع مبلغ من المال وزيارات علاقات عامة؟ في تقديري أن المسألة صعبة للغاية، إذن لماذا يصدر هكذا تفكير من عيال زايد؟

لأن إثيوبيا دولة مؤسسات، لا يمكن لآبي أحمد ولا غيره أن يقلب العلاقات الخارجية للبلاد رأسًا على عقب بسبب هذه الأموال، وإلا لكانت أديس أبابا فقدت احترامها كوطن يقود أفريقيا إقليميًّا ودوليًّا لسنوات طويلة، كما أن آبي أحمد نفسه ليس بالشاب الهين أو اللين الذي يمكن التلاعب بمشاعره، كما يفعل ولد زايد بوكلائه في كثير من البلدان من سيسي، لحفتر، لدحلان.

الذين يربطون بين زيارة آبي أحمد إلى مصر، والتصريحات الإيجابية عن العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا وحلفه للقسم مع السيسي بهذا الوضع القبيح الذي شاهدناه على التلفزيون، وطلبه ترسيم الحدود مع إرتريا أكبر أعداء إثيوبيا على مر التاريخ، بتغيرات جذرية في العلاقات الخارجية لإثيوبيا، فهؤلاء لا يعرفون الكثير عن أمثال آبي أحمد.

فهذا الرجل أصلًا ضابط مخابرات سابق، وصل في خدمته في جهاز الأمن حتى رتبة العقيد، وكان من أبرز ضباطه، وكعادة ضباط المخابرات أصحاب الخلفيات العسكرية، يمكن أن تسمع منهم قدرًا كبيرًا من معسول الكلام، وتحصد العلقم من أفعالهم، فمحمد بن زايد الذي تخرج من كليه سانت هرست العسكرية برتبة الملازم، وبمجرد وصوله إلى بلاده تقلد رتبة الفريد مارشال، وأصبح حين غفلة من الزمان قائدًا أعلى لجيش بلاده، وهو وضع لعمري لم يكن يحلم به لا نابليون ولا منتي قمري شخصيًّا، فهو بالتأكيد لا يستوعب الفهم العميق لأفكار أمثال هؤلاء الأشخاص.

لذا أعتقد أن أفعال آبي أحمد وأقواله مجرد وسيلة وخطة محكمة لكي يحلب عيال زايد، كما حلبهم ترامب والسيسي، فحكاية حلب دول الخليج أصبحت ظاهرة ولعبة خاصة بالكبار جدًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد