سُنن الله كثيرة في كونهِ ونحنُ بصدد الحديث عن سُنة من أكثر السُنن الظاهرة والمؤثرة، وبِها وبدراستِها تستقر لنا الكثير من الأمور ومن دُونِها نخسر الكثير لا سيما الغاية والمبتغىٰ.

يقول الشهيد حسن البنا برسالة المؤتمر الخامس في طُرق التعامل مع سنن الله في الكون: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة. ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد.

ألا وهي سُنة التدرُج.

كل شيء في هذا الكون يبدأ بالتدرج فعندما خلق الله سبحانهُ وتعالى الكون خلقهُ في ستة أيام في قولهِ تعالى في سورة هود: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. وكان يستطيع أن يخلقهُ في لمح البصر فهو القادرُ علي كل شيء، ولكنها سُنة التدرُج.

وإذا قرأنا السيرة النبوية العطِرة سنجد أن كل شيء في الإسلام بدأ بالتدرج، فعندما حرم الإسلام الخمر لم يكن مرة واحدة، بل على مراحل حيث اللذة التي اعتاد عليها المسلمون قبل الإسلام، فبدأ الله سبحانه وتعالى بإخبار المسلمون أن للخمر منافع ومفاسد، وضرره أكبر من نفعه في قوله تعالىٰ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.

فبالتدريج بدأ بعض المسلمون يمتنعون أو يقللون من شربه، ثم المرحلة التي تليها حيث بدأ الله سبحانه وتعالىٰ بتخيير الملسلمين بين لذة الخمر ولذة الصلاة والتعلق بهِ وابتغاء مرضاتهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ.

حتى قال عمر بن الخطّاب اللهمّ بيّن لنا في الخَمْر بيانًا شافيًا، ثم المرحلة التي تليها حيث أتىٰ التحريم في كتاب الله تحريمًا بيّنًا في قولهِ تعالىٰ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ.

وكان يستطيع الله سبحانه وتعالىٰ أن يُحرِم الخمر مرة واحدة، ولكن هذه سنتهُ البيّنة، وهي سُنة التدرُج التي هي أساس سُنة التغيير، وهكذا كان الحال مع الربا والرق والتي حرمها الإسلام على مراحل فكل هذه العادات الجاهلية كانت نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا مُتأصلًا في شبه جزيرة العرب.

صقر قُريش عبد الرحمن الداخل عندما هرب إلى الأندلس من بطش بني العباس عقب قيام الدولة العباسية حتى يُعيد مُلك بنو أمية ولما نزل الأندلس لم ينزل مرة واحدة بنفسه أو لم نسمع في سيرتهَ أنهُ قال بغطرسة الأمراء: يا أهل الأندلس يا موالي بني أمية ياعرب القيسية ياعرب اليمنية ها أنا فحل قُريش، ولقد جئتكم بنبوءة مسلمة بن عبد الملك، وبي علامات النبوءة، وإني وريث مُلك بني أمية في الأندلس، بل قام واجتهد وأخذ بالأسباب فسبقهُ خادمهُ ووزيره فيما بعد بدر ووطد لهُ وأخذ البيعة لهُ من موالي بني أمية ووجهاء عرب القيسية ولما خذلوه ولم ينصروه اتجه إلى غُرمائهم عرب اليمنية.

وضرب القيسية باليمنية وقضى على النعرات القبلية التي أهلكت الأندلس قبل مجيئهِ لعقود طويلة، ووطد أركان الدولة، وأقام مُلك بني أمية من جديد في الأندلس، وكل هذا حدث بالتدرُج.

وفي وضع مجتمعنا الحالي لا نستطيع أن نقوم بين ليلة وضُحاها ونقول هيا نُمكن لدولة الإسلام هيا نُعيد مجد صلاح الدين هيا نُعيد دولة الفاتحين، ولكن بالتدرُج، لا سيما بناء الفرد، ثم بناء الأسرة، فالأسرة نواة المجتمع، وهكذا نفعل كل ذلك بالتدرج.

فإذا أخذنا بسنة التدرج كانت الغاية والتمكين وما هي منا ببعيد.

فقد قال الشهيد سيد قطب في كتابه هذا الدين وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى. فقد حدث ما حدث وفق سنة جارية ولا وفق معجزة خارقة. وقد قام ذلك البناء على رصيد الفطرة المدخر لكل من يستنقذ هذا الرصيد ويجمعه ويوجهه ويطلقه في اتجاهه الصحيح.

لقد شاء الله أن يُجري أمر هذا الكون علي السنن الجارية لا علي السنن الخارقة؛ وذلك حتى لا يتقاعس مسلمو الأجيال القادمة، ويقولون لقد نُصر الأولون بالخوارق، ولم تعد الخوارق تنزِل بعد ختم الرسالة وانقطاع النبوات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد