لطالما كانت الهوية السودانية مثار جدل لدي الكثيرين؛ حيث ما فتئ الكل يتساءل: هل السودان عربي أم إفريقي بلسان عربي؟ أم هو  عربي متدثر بالبشرة السوداء؟ ما هو المكون الأصلي للبلد العربي أم الأفارقة؟ وبعيدًا عن تجاذبات السياسة والهوية برز في هذه الأيام في أحد برامج رمضان الغنائية صوت غنائي جديد هو الفنان مأمون سوار الدهب الذي لاقي قبولًا كبيرًا في الأوساط السودانية، مما دفعني للغوص عميقًا لمعرفة سر هذا القبول التلقائي.

يعد المجتمع السوداني من المجتمعات الذكورية التي يمثل فيه الرجل محور المجتمع الذي يدور حوله لذلك شكلت الملامح الذكورية لهذا الصاعد محور التفاف للسودانيين، خاصة أنه يذكرهم بشخصية ابن البلد البسيط الذي يطلقون عليه مجازًا في إحدى المقولات «الراجل الحمش فوق الجمر يمش»، أي أن الرجل السوداني لا يهاب شيئًا، ويمشي فوق الجمر بلا مبالاة، فمأمون سوار الدهب بشخصيته التلقائية، وخامة صوته الذكورية، استطاع أن يجذب إليه الكثير من المستمعين الذين ملوا الاستماع لإنصاف الرجال ممن ارتدوا الليونة ثوبًا، وتدثروا بثوب النساء؛ فتراهم تارةً يجارونهن في اللبس، وتارة اخري في استخدام المساحيق التجميلية لدرجة تغيير لون البشرة والملامح الإفريقية التي ولدوا بها.

تجلي الحنين للعرق الإفريقي والجذور الإفريقة للبلد في الارتياح النفسي الذي رافق رؤية السودانيين لمغني من نفس لون بشرتهم السمراء يعلو سلم الهرم الموسيقي بخامة صوته الموغلة في الإفريقية وملامحه التي شكلت مرآة عُكست من خلالها الجذور الإفريقية لطائفة كبيرة من مواطني البلد؛ مما يمثل تفجيرًا للحنين الشديد للداخل الإفريقي وسط الأذن السودانية المتذوقة للموسيقي، ففي وسط هذا المزيج من الوجوه التي لا تنتمي لغالبية الشعب، الأغبش “اتي هذا الفتي ليذكرنا بأننا ما زلنا نحمل الجينات الإفريقية.

ويبدو أن القائمين على هذا البرنامج أدركوا بقصد أو من دون قصد سيكولوجية المشاهد السوداني وفهموا ميوله نحو الشخصيات التي يجد فيها نفسه، ويحس أنها تشبهه وتأكل مما يأكل ويحس بنبضها، وليس ببعيد تعليق إحدى النساء على أداء الفنان الشاب، حيث علقت قائلة: «مأمون دا واحد تحسوا مننا زيو وزي الاولاد البقعدوا في ظل الحيطة وجنب الدكان والفرن ويتونسوا بي صوت عالي ولما يجي زول كبير ماشي يبطلوا الضحك احترامًا ليه، وتاني يواصلوا الضحك بعد ما يمشي، و هو زاته بي خجله السوداني المعتاد والذي يهب لمساعدتك لما تجي شايلة حاجات تقيلة عشان كدا بنحبه ونحسه مننا» لذلك من الواضح جدًا أن المستمع السوداني لا يحتاج من الفنان أن يتكلف حتى يعجب به، فقليل من البساطة تجذب الكثير من المحبة.

وقد كثرت في الساحة الفنية السودانية مؤخرًا الكثير من الظواهر التي تخصم من نصيب الفنانين الشباب، خاصة الإناث منهن، حيث لا تلبث إحداهن أن تجد نصيبًا ولو ضئيلًا من الشهرة، حتى تعمد إلى إجراء تغيرات جوهرية عن الشكل الذي أحبها الجمهور به، فبادئًا بذي بدء يغيرن ألوان بشرتهن الإفريقية السمراء الجميلة التي تشبه إلى حدٍ ما أجود أنواع الشكولاتة التركية إلي لون فاقع ظنًا منهن أنهن بذلك يرضين الجمهور، ولكن الجمهور السوداني دائمًا محب للبساطة، والتلقائية، ثم يملن إلى ارتداء ما ضاق من الثياب التي  لا تمثل  ثقافة السودان الإفريقي، وليس بعيدًا عن هذا المغنيين الشباب الذين تنكروا كليًا للانتماء الإفريقي، وباتوا مستعربين يجدون ضالتهم في الغوص في العمق العربي ثقافةً وشكلًا ومضمونًا.

لذلك ليس مستغربًا أن تميل الأذن لصوت وشخصية مأمون وتحس معه بذلك الإحساس المرهف والانتماء لا شيء سوى أنه يمثل الرجل السوداني ببشرته السمراء، وخجله الفطري إضافةً لصوته الذكوري الجهور المستمد من بيئة خشنة وطقس حار معظم العام؛ مما ينكس في طباع وخصال ساكني هذه الرقعة من الأرض فهم يمزجون بين الدم الإفريقي الحار وبرودة الدم العربي، إضافة لبعض السحنات الاخرى، فهنيئًا لنا بالانتماء لإفريقيا ذلك الانتماء الذي نعتز به ونبادل بالحب كل من يمثله شعرًا وغناء ورقصًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد