الموسيقى الكلمة التي حللها بعض الدعاة، ولا أدري علة تحليلها في معمعة الفتن التي نعيشها، فارضين أنها مثل الإنترنت والتلفاز ووسائل التواصل، سلاح ذو حدين، ولم يضعوا في حسبانهم أنهم فتحوا بابًا على مصراعيه لريح هوجاء، ظهر ولا زال يظهر على الساحة مطربين ومغنيين سواء فتيان أو فتيات، أعدادهم تتزايد بسرعة انقسام الخلايا، والكل يصفق ويشجع (استمر.. لك مستقبل باهر.. يا لروعة حنجرتك الذهبية)، وتعيش الفتيات جو الحب من غير حب على أطلال تلك الأغاني، ويتغنى الشاب بها ذهابًا وإيابًا معتقدًا أنه رومانسي كما يقولون، ولكن مهلًا.

 

الحب العذري الحقيقي نادر في أواننا ندرة الزهرة في الصحراء، وتلك الأغاني يشغلها السائق ويعمل على إيقاعها العامل، ويتبلغ منها المسافر في غربة الطريق، ويتفق على رونقها هوام الناس وخاصتهم.

 

إذًا هي ليست مقياسًا أبدًا لرقي الشعور ورهافة الإدراك، وليست ريختر لزلزال الحب بالمرة، هي ليست سوى كلام متراص ممزوج بالموسيقى، فيلمس شعور القلب، ولكن ما لا يعلمه الناس، أن كثرة الاستماع لتلك الأغاني تجلي عن القلب معنى الحب، كانحدار الشمس عند المغيب، فهي أشبه بمن يستلذ بالخمر في الدنيا، ولا يعلم أن خمر الآخرة ألذ وأطيب.

تلك الأغاني تشعل لهيب الإرادة في الحب ذاته، وليس الحب، وإلا لاكتملت كل العلاقات التي طرفاها يستمعان لمثل تلك الأغاني.

 

إن الحب هبة جليلة من الخالق، امتزجت بدماء شرايين القلب ليضخها القلب معها، وتشعر بمعنى الروح والشعور، والأغاني تلك هي التي أفسدت هذا المعنى على عكس اعتقاد الناس، الذين زعموا أن القرب من الله والالتزام بشرائعه حلالها وحرامها، تجعل القلب جامدًا ولا يعرف معنى العشق، هم مساكين، لم يعلموا أن من التزم بشرع الله ولم يسمح لتلك الفتن بتدنيس فؤاده وجعل حب الله فوق كل حب، سيرزقه الله الحب على أكمل وجه، مزرقشًا بأفخم الدرر الكامنة في النفوس.

 

أنا أتحسر وأضرب كفًا بكف على تلك الكلمات المبتذلة، والتي لا أستشعر من جوهر قائلها أي معنى للحب، كيف لها أن تغطي كل هذا الطغيان، مستمعوها في ضحالة الفكر والوجدان، ظنًا منهم أنهم ذوو حس وذوق وخواطر مرسلة كالريح.. إنهم مساكين لم يعرفوا الحب.

 

الحب الحقيقي مناف تمامًا لتلك النغمات والألحان، إن العشق السامي هو الذي رذاذه على قلوب لا تعرف إلا البياض، إن الطيور في أعشاشها تسبح باسم الله العظيم، والقلوب العامرة بالحب في عبادة لا تتوقف، إن رازق الحب هو الله، فلا تعصه حتى لا ترجع خائبا وتقول: الحب لا يستمر، إذا رزقت الحب، فاعمل للحفاظ عليه بالالتزام بأوامر الله ونواهيه، والحب ليس لإنسان بعينه، بل هو نبع متدفق يتسع مداه كلما فتحنا له القنوات بقوانين الله سبحانه، وليس بقوانيننا.

 

أنا أستشعر العشق الأصيل الذى تندر – واأسفاه – في الحياء والوفاء والنقاء والصفاء، في عذوبة البسمة وتضرج الوجنتين خجلًا، في المشي في تؤدة والامتناع عن الشهوات لأجل الله تعالى، لو أبصرت بحق لوجدت أن الحب ريح تزيل كل رجس عن قلبك، فإن لم يكن، فاعلم أنه ليس حبًا، إن الحب يترقرق بين أبيات الشعر، فيحرك الفؤاد بلا ابتذال من أفواه جافة.  

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد