السياسة في مصر موسمية، وربما المراجعات التاريخية أيضًا موسمية، كل 23 يوليو هو موعد لهجوم ضارٍ على عبد الناصر وصحبه ولدفاع مستميت أيضًا، كل 15 يناير حيث ذكرى مولده، وكل 28 سبتمبر حيث ذكرى وفاته، ولا أخفيكم سرًا أنه صراع لا أحب أن أكون طرفًا فيه ولا يعنيني كثيرًا، غير أن الجديد هنا هم المتباكون على العهد الملكي السعيد حيث لا بطالة، وحيث الدولار يساوي 25 قرشًا مصريًا، والقاهرة أجمل من باريس والنساء جميلات فاتنات على أحدث موضة والعيشة فُل والناس في سعادة وآمان يا لا لي لي  آمان.

وأنا وإن كنت أحترم حرية كل شخص في أن يحب من يرى أو أن يكره من يريد، غير أنه لا يسوؤني شيء أكثر من فساد المنطق، وسقم الاستدلال، ولا يتفوق على أبناء فاروق في اعتلال حججهم وفساد منطقهم غير أبناء مبارك، فإن كان أبناء فاروق قد انقطعت الصلة بينهم وبين الزمن الذي كان فاروق حاكمًا فيه للبلاد فلم يروا غير ما يروج له من إنجازات ملكية فاروقية، فإن أبناء مبارك كانوا بيننا يوم كان مبارك حاكمًا فردًا محتكرًا للحكم، مزورًا للانتخابات، واضعًا قدمه على رقاب وكرامة المصريين.

وأزمة كل من أبناء فاروق من المتباكين على عهده أو أبناء مبارك وأيتامه، هي الانتقائية الشديدة في اختيار الرقم الذي يعبرون به عن روعة عهدهم البائد، لا بطالة في ملكيتهم السعيدة حيث الفلاح عبد الأرض تعامل الحيوانات بانسانية عنه، وتفترسه الأمراض وتمتصه حتى آخر قطرة من روحه فداءً للسيد العظيم ولغناه الواسع، فإذا اقتطع أنصار الملكية من الجرائد القديمة قصاصات فإنهم لا يتحدثون أبدًا عن حملة مكافحة الحفاء حيث لا نعال في أقدام المصريين -إلا لو كانت الموضة وقتها هي ألا يملك الفرد ثمن حذاء – ولا يقتطعون أبدًا من أحاديث كبار كتاب مصر إلا ما يخدم وجهة نظرهم، فلا يوردون ما كتب توفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم عن الفقر والجهل والمرض الذي كان يعصف بمصر والمصريين، ولم يستفد المصريون حينها شيئًا من الدولار الرخيص، ولا من الخدم اليونانيين لأنهم ما أتوا أصلا ليخدموهم هم بل كانت أحوالهم –وهم خدم أغراب- خير ألف مرة من حال أصحاب البلد وأبنائها، ثم هل كان فاروق ملكًا دستوريًا يبكي المصريون أيامه ولياليه ويقفون ضد انقلاب ضده؟، كان فاروق حاكمًا شرقيا بامتياز يرى مصر ملك شخصي له، يتلاعب بالدستور ويحل البرلمان متى شاء، ويرفض نتائج الانتخابات حين لا توافق هواه، ولقد تغيرت الوزارة مرات وأبعد حزب الأكثرية عن الحكم وعصف بالدستور عصفًا في أواخر حكمه فتناسى أبناءه كل هذا لأجل سواد عيون دولارهم الرخيص وشكل الشوارع النظيفة في الصور.

وعلى ذات الشاكلة أبناء مبارك وإن كان أبناء فاروق النُقرة، فأبناء مبارك «الدحديرة» يعايرون المصريون اليوم بغلاء الأسعار وزيادة سعر صرف الدولار وانهيار السياحة وكأن الثورة حكمت يومًا من بعد ما أطاحت بمبارك وكأن كل من أتى من بعدها ليحكم البلاد لم يكن من كبار موظفي دولة مبارك ومن إرثه لنا، فكأن منطقهم قد أصابه الشلل للدرجة التي لا يرون فيها كيف يصوبون ضرباتهم فلا تصيب أباهم المزعوم، دولار مبارك بخمسة جنيهات ونصف، ترك الحكم وقد أفقد الجنيه 6 أضعاف قيمته وقد استلم البلاد والدولار لا يزيد سعره عن جنيه، يا له من انجاز عظيم يجب أن ننسى لأجله كيف كان حاكمًا شموليًا فردًا، استأثر بالحكم لنفسه ولحزبه، وأذاق المصريين على يد أجهزته صنوفًا من الفساد وانهيار التعليم والصحة وتردي المرافق وهشاشة الدولة، ثم ثبتت أنه سارق «حرامي» بحكم محكمة بعد كل هذا النعيق عن شرف مبارك الديكتاتور.

وأصل فساد هذه الحجج السقيمة هو شعور أصحابها بأن للحاكم مركز ابتدائي يأخذه بمجرد كونه حاكم، ففاروق أب لفئة وجمال أب لفئة والسادات رب العائلة ومبارك أب وهلم جر، وأول خطوات العلاج أن يؤمن الجميع أن الحاكم موظف لدى الشعب يتقاضى راتبه من أموالهم فإذا آمن المواطنون بأنهم ملاك للوطن وأن من يحكمه موظف لديهم لا سيدًا عليهم استطاعوا أن يروا الفساد فسادًا، وأن يحاسبوا حكامهم على الفساد، ولقد كانت مصر أقرب للديموقراطية وللمجتمع المدني السليم وقت فاروق فأطلق فاروق بعصفه بالدستور الرصاصات الأولى على الحرية من قبل أن يفعل جمال، ولقد كان جمال وطنيًا عروبيًا قوميًا فأفسد مشروعه تحوله لديكتاتور نصف إله يرى الوطن في شخصه وحده، ولقد كانت الديكتاتورية دومًا هي قاصمة ظهور البعير في بلادنا العربية، فالحاكم الفرد يظن نفسه ملمًا بعلوم الأرض، ويصل به تعاظم ذاته لحد الجنون فيدمر في خطوة واحدة ما بنته أجيال، ذلك أن الفرد مهما تعاظمت معرفته فهي قاصرة ووضع رقاب الملايين في يد شخص يخطئ بقدر ما يصيب وربما أكثر انعدام عقل.

وأخيرًا فإني ما قصدت باستعراض بعض مفاسد حكم فاروق أو مبارك الانتصار لأشخاص أو الاساءة لأشخاص، فلن يتحرر هذا الوطن مما هو فيه إلا حين تعلو الفكرة الشخص، وإلا حين يدرك أهلها أن القيم المجردة من حرية وعدالة وديموقراطية وثقافة هي التي تبني الأوطان لا الملك الفلاني ولا الزعيم العلاني، المعيار إذا ثابت لا زعيم سوى من يعزز تلك القيم لدى شعبه، أما من دون ذلك فكلهم باطل وقبض ريح، وزعامتهم وريادتهم وروعتهم وكل هذا العته لا يعدو كونه سخف وتزوير تاريخي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فاروق
عرض التعليقات
تحميل المزيد