أبناء العاملين، هذا المصطلح الذي تكمن فيه جميع معاني الظلم، والعنصرية، والطبقية، بل الفساد وانعدام تكافؤ الفرص، فهو وليد أواخر فترة الثمانينات والتسعينيات، حتى أصبح بعد ذلك إضافة جديدة وثابتة لمعجم اللغة المصرية.

وهو الجرم الذي ارتكبه المخلوع ورسخه هو وولده في ركائز الدولة المصرية، حتى أصبح هذا المصطلح أمرًا عاديًّا، ومبدأ لا يتجزأ من تكوين الحياة العملية في مصر. ومن منا يستطيع أن ينكر ذلك، إذ كان رئيس الدولة يسعى دائمًا طول فترة حكمه، وبالأخص منذ بداية الألفية الجديدة، وبشتى الطرق، أن يهيئ الطريق لولده، قائد التغيير وممثل شباب النيل. فما كان للمواطن الأسمر الجميل إلا أن يقوم هو أيضًا بالمثل، وذلك بحكم المثل العربي المعروف «إذا كان ربُ البيت بالدف ضاربًا، فشيمة أهل البيت الرقص» والمقولة المصرية الثمانينية المشهورة «ما كل الناس بتعمل كده»، أو في أقوال أخرى «يعني هي جت عليا».

فأصبح من الطبيعي أن يعين الأب ولده في الشركة نفسها، بل في بعض الأحيان قد يعيين ابنه مكانه إذا كانت الفرص شحيحة في تلك المنشأة. حتى تطور الأمر بعد ذلك إلى أن بعض المصالح الحكومية، وبعض القطاعات في الدولة، مثل التعليم الجامعي، وقطاع البترول، وبعض الشركات الخاصة بحصر التقديم على الوظائف الجديدة لحديثي التخرج على أبناء العاملين بها فقط، مما يمثل قمة الفساد الإداري، وعدم المساواة والظلم.

وتحولت تلك الآفة إلى مناخ عام، فأصبح كل من لا يمتلك موهبة من هؤلاء الأبناء لديه فرصة للوجود والظهور، وفي الكثير من الأحيان يزاحم أصحاب المواهب والهمم بغير وجه حق في فرصهم «وليس أرزاقهم»، بل في بعض الأحيان يَحرِمهُم من فرصة الوجود أساسًا.

فنجد ابن الزعيم نجمًا للشباك في غضون سنوات قليلة، وهو لا يمتلك ليس ربع، بل خُمس موهبة والده، إذ إننا لا نجد منه إلا تقليد حركات عادل إمام وإفيهاته التي تعود الجمهور عليها. ونجد الحارس الفاشل محدود الموهبة والحلول، سليل الوحش الأفريقي، يتربع على عرش حراسة عرين القلعة الحمراء، بل المصيبة الأكبر حراسة مرمى منتخب الفراعنة. ولا يجب أن ننسى البلياتشو عاكف الذي أبهر الناس بثباته الانفعالي وقدرته على عدم تغيير ملامح وجهُه وإخفاء مشاعره في جميع أدواره الحالية والسابقة، مما يجعل منه ممثلًا بدرجة هاوٍ. وأخيرًا وليس آخرًا كيمو ولد الساحر محمود عبد العزيز، وحمودي دودي شقيق مدام إلهام، الذي طالما فرض علينا منذ الصغر فرض عين في جميع مسلسلاتها. وبالرغم من ذلك، فنحن لا ننفي أن بعضًا من هؤلاء الأبناء نجحوا بمجهودهم وموهبتهم، مثل أحمد صلاح السعدني، وغيره من أبناء الممثلين، في شق طريقهم للنجومية.

وسبب ذكر هؤلاء بالذات كأمثلة، هو أنهم يعملون بمجال أصبح مؤخرًا محركًا رئيسيًّا للرأي العام والتفكير الجمعي لشباب المحروسة، والطامة الكبرى هنا هو أن يكون هؤلاء قدوة للصغار؛ فيترسخ في أذهانهم البريئة مبادئ المحسوبية واللامبالاة، ويعيشون حياتهم بمبدأ «وفيها إيه ما بابا هايشغلني».

نحن نعلم جيدًا أن الأرزاق بيد المولى عز وجل، فهو يرزق الطير الذي لا حيلة له قبل الإنسان، ولكن من رحمته علينا أنه وضع لنا القانون الإلهي المتمثل في الأديان السماوية من أجل تنظيم حياتنا كبشر. ولكن يبقى التساؤل هنا، إلى متى سوف يستمر هذا المصطلح الظالم في القاموس المصري، الذي أصبح مبدأً لا يتجزأ من تكوين المواطن الأسمر الجميل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد