من خلال تتبّعنا للمشوار الفّني للفنّانين وجديد السّاحة الفنية ككل، نجد أنها لا تكادٌ تُنصّب أحدهم ملكًا على عرش نجوميتها إلا وعزلت أحد أباطرتها دون أدنى رحمة لمشواره، حتى لو أنّه كان طويلًا حافلًا. فالدّنيا دول وكذا الفن، فلا يأفل نجم ويخمد، حتى يولد ويسطع نجم جديد، فإن رأيت الدنيا أقبلت على أحدهم فاعلم أنها قد أدبرت عن آخر.

عبد الرؤوف درّاجي! فنان جزائري موهوب، مهووس فنون، جمع بين مواهب رقص الشوارع، المسرح، السيرك والراب، احترف الغناء منذ سنة 2009 مع فرقة أفريكا جانغل كبداية مشوار متواضع، وكغيره من شباب الجزائر والوطن العربي، عانى عبد الرؤوف من التهميش والحقرة في بلده الأم، وفي مسقط رأسه سطاوالي الساحلية ذاق الأمرّين من أجل أن يوفّق بين مواهبه وطموحاته، تحديات الحياة وشقاوتها وبين أن يجد نفسه، في مدينة لا تزال شاهدة على أول تدفّق لأفواج جيوش المستعمر الفرنسي على الجزائر.

جمع عبد الرؤوف أغراضه، ورحل بحثا عمّن يدعم موهبته التي بدت وكأنها أخذت تذبل كزهرة بعيدة عن حديقتها الخضراء.

«لقد رفضوني! لا بأس هذه هي الحياة، ليس لدي المال، ولم يريدوا مساعدتي».

كانت هاته الكلمات وقود طموحه ووعد نفسه بالهرب والالتحاق بكتائب الأدمغة والفنانين، وكل من فرّوا بحثًا عن سبيل للتفوق والنبوغ.

كانت الوجهة إذًا بلاد الأنوار، أرض الجن والملائكة، بعاصمة الراب الفرنسي والألوان الأفريقية المتنوعة مرسيليا الساحرة حطّ الرّحال أخيرًا، فاحتضنته عروس المتوسط وفتحت ذراعيها له، فقال فيها مغنّيًا: «أنا دائمًا في مدينتي، في مرسيليا تجد البلاد أخي».

نعم! البلاد بالنسبة له الآن هي مرسيليا أين وجد الدعم والسند، أين بدأ شعاع نجمه بالبزوغ، ومن مهاجر غير شرعي إلى سلطان أغاني السّول، راح يرتقي سلالم النجومية، ويعلن للجميع عن ميلاد نجم جديد جدير بالاحترام، وراح يحذّر خصومه بأنّه هنا الآن، وقد بات رقمًا صعبًا يُحسب له ألف حساب.

بأسلوبه الغامض المستوحى من فيلم الأنيمي الشّهير «وان بيس» وقهقهة الشخصية الكرتونية المرافقة لكل أغانيه، تفرّد عن كل ما هو مألوف واعتيادي، وحوّل حلم شخصية كرتونية إلى حقيقة.

وقع محبّوا الراب الفرنسي وكلّ ذي أذن عاشقة للإحساس في غرام الشاب الأسمر النحيف، وصار اسمًا ثقيلًا بين كبار مغنّيي الراب الفرنسي مثل: Rimka، L’Algérino وغيرهم من أسماء هذا الطابع الغنائي الأمريكي الأصل في فترة جد وجيزة.

سولكينغ، عرّف الرّاب الذي يقوم به وقال: «أنا لا أقوم براب فرنسي حتى وإن كنت أغنّي بالفرنسية، أنا لدي أسلوبي الخاص وأقوم بـ سولكينغ».

خليط متجانس بين العربية والفرنسية، الإسبانية والإنجليزية، مزيج موسيقى شرقية متناسق بلمسة غربية نادرة، وصوت عذب يدغدغ المشاعر، جعله يدخل القلوب من حيث يشاء، ويأسس لإمبراطورية جديدة أسماها الفرنسيون «الفينومان».

فمن شاب فقير يكافح من أجل لقمة عيش في سطاوالي الجزائرية، مرورًا بكابوس فرنسي مرعب رمى به إلى جحيم تنظيف السيارات وغسل الصحون بأجر زهيد، ووهبه الكرتون فراشًا له، بدل البيت الذي طرد منه لا لشيء سوى كونه عربيًا، إلى ظاهرة غنائية نادرة!

ما هاته الإرادة التي يملكها هذا الشاب ذو السبع وعشرين عاما؟! ما هاته الهمّة العظيمة الجبّارة السّاعية لبلوغ المستحيل وصعود القمم؟ والتي جعلته يلتحق بركب خالد، مامي أو حتى بشبيهته المصرية داليدا التي تشترك معه في رحلة البحث عن الذات، والتي خلّدها في إحدى أغنياته بعد أن أخذت حصّتها من عرش النجومية قبله.

جسر فرنسا إذا هو ما جمع كل هؤلاء، ذاك الجسر الذي اتخذوه سبيلا ليُسمعوا أصواتهم لمن له أذن تسمع، ليعودوا إلى أوطانهم بعدها وقد نصّبهم الغريب ملوكًا، وكان أولى بأوطانهم الاستفادة من مواهبهم وما يملكونه من جواهر نادرة.

ميلانو وامستردام! أماكن سحرت حسّه الفني فغنّى فيها تخليدًا لما قدّمته له. أوباميانغ، القذافي ونيلسون مانديلا غنّى فيهم ليُذّكِر دائمًا بأصله الأفريقي الذي يفتخر ويعتز به.

وبين حلم الهجرة إلى هناك والاعتزاز بالوطنية هنا، تبقى مواهب شبابنا حبيسة زنازين الوطن الذي ينتمون إليه. فإلى متى تبقى أكبر أحلامهم سكن ومنصب عمل، وهم قادرون على إدراك المحال وخرق الجبال؟ ليس عليهم بلوغ الضفة الأخرى ليكتشفوا ما خُلِقوا له فكلّهم ولدوا عباقرة، لكن أوطانهم أخملت ما وهبهم الله إياه، وأخمدت عزائمهم المستعرة بالفطرة.

بل عليهم إيجاد ذلك الطفل الموجود في داخلهم، والنائم منتظرًا أن يتم إيقاظه من سباته، ذلك الطفل ذو الشخصية الكرتونية التي لا تقيّدها قيود الزمان والمكان ولا قواعد وضعت بإتقان، لتنطلق شخصياتهم من عالم الخيال وتصنع منهم أبطالًا في الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد