إذا كنت من أصحاب الضجر وممن يملون سريعًا، وتنوي أن تدرس الفلسفة ولا تجد مدخلًا لها، أو لا تعرف من أين تبدأ، كلُّ ما عليك فعله أن تبحث عن رواية (عالم صوفي) عرض مبسط وسريع لأحداث وتاريخ الفلسفة ونشأتها منذُ القرون الوسطى، مرورًا بالفلسفة المسيحية وفلسفة عصور النهضة، ومرورًا بفلسفة الحقبة المعاصرة.

لن تجد أحدًا يحكي لك حكاية فلسفية مثل رواية عالم صوفي، هي رحلة في تاريخ الفلسفة، وخاب من لم يقدم عليها.

حوار ممتع وسرد متقن ولغز محير كما حال الفلسفة دائمًا.

تبدأ الرواية بمقولة لكاتب وفيلسوف ألماني شهير تسيرُ الأحداث بناءً عليها:

«الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة». (جوته)

بكلمات قصيرة يلخص جوته الحال، وكيف تصبح الدنيا إن لم نتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة.
جوستاين غاردر هو كاتب نرويجي ولد في الثامن من شهر أغسطس سنة 1952 ويعمل أستاذًا في الفلسفة وتاريخ الفكر، وهو يمارس الأدب والتعليم معًا.
الرواية تطرح تساؤلات فلسفية تتناول فيها الحياة والوجود، تحاول تبسيط الأمور والوصول للحقيقة أو لجزءٍ منها.
محور الرواية هو صوفي وهي بطلتها، وتبدأ الرواية برسالتين من خلالهما تبدأ الأحداث.
الرسالة الأولى: «من أنتِ؟»

الثانية: «ومن أين جاء العالم؟»

من خلال هذين السؤالين اللذين يبدان في الظاهر شيئًا سهلًا أو بسيطًا من خلال الرسالتين ينطلق الكاتب ليغوص عميقًا في الفلسفة وتاريخها.
الرواية ليست كأي رواية، ونادرًا أن تجد شخصًا ما يرسل إليك دروسًا في الفلسفة تشكل وجدانك، وتعمل على مساعدتك في تفكير سليم ومنطقي، وتستطيع من خلالها الطرح والجواب.

في كل فصل من الرواية يضع جوستاين غاردر أعلاه مقولة ما، من خلال تلك المقولة تُبنى أحداث الفصل أو بمعنى آخر الفصل سوف يتحدث عن تلك المقولة ويفسرها بطريقةٍ ما، الفصل يعتمد على المقولة، والمقولة تعتمد على الفصل.

الشخصية الثانية والتي تعتمد عليها الرواية بشكلٍ كبير بل هي ركيزة أساسية تلك الشخصية هي مدرس الفلسفة الذي يعلم صوفي، ويرسل إليها الدروس عن طريق البريد في البداية بواسطته هو، ثم بواسطة كلبه فيما بعد، مدرس الفلسفة يُدعى ألبرتو كنوكس، وشخصية أخرى مهمة هي هيلد مولر كناغ ووالدها المايجور الذي يعيش في لبنان بتكليف من الأمم المتحدة.
بطريقة ألبرتو الساحرة تصبح صوفي أمندسون طالبة دائمة له، ويبدأ في شرح تاريخ الفلسفة لها.

يشرع ألبرتو بتعليم صوفي تاريخ الفلسفة، وذلك بسرد الأحداث الفلسفية المهمّة بدءًا من «الفلسفة اليونانية قبل السقراطية»، وصولًا لـ «فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو»، وصولًا للفلسفة الوجودية الخاصة بـ«سارتر». وبالإضافة للدروس الفلسفية، تحاول صوفي وألبرتو كنوكس في صفحات هذه الرواية الكشف عن الأسرار الغامضة المرتبطة بـ «ألبرت كناغ»، والذي يتبين أنه يمتلك قدراتٍ خارقة للطبيعة.

ومع كل حقبة تاريخية يريد ألبرتو فيها أن يلقي على صوفي درسًا متعلقًا بتلك الحقبة يرتدي في الحال ملابسًا مناسبة لتلك الحقبة، وهي طريقة تسهل على المتلقي أن يفهم دروسه جيدًا وتلتصق به.

ومن حين لحين يبدأ ألبرتو بإرسال بعض الأسئلة لصوفي علها تجد إجابة لها دون مساعدة.

تدخل الرواية في مرحلة جديدة، مرحلة اندماج الدروس الفلسفية مع الأحداث التي تحدث لصوفي يوميًّا، وتلك الأحداث لها صلة قوية بالمايجور والد هيلد.
بعد تدخل والد هيلد في حياة صوفي أمدسون بشكل مستفز، والتحكم في بعض الأحيان في تصرفات ألبرتو، يبدأ ألبرتو في تدريب صوفي مقاومة ذلك التدخل.

يشرع ألبرتو عبر تعليمها كل ما يعرف عن الفلسفة. والذي يؤكد لها بأن الفلسفة هي الطريق الوحيد لمعرفة الإجابات عن العالم، والخروج من مأزق المايجور وألاعيبه السخيفة.

تدخل الرواية في أحداث شبه مستحيلة، مثلًا تجد صوفي مرة نفسها في المرآة تغمز بعينيها الاثنتين، وترى حقيقة سقراط وأفلاطون، ومرة أخرى يعرض أمامها عالم ديزني بشخصياته، ونوح والطائر الذي يحمل صوفي، واستخدام صوفي حيلة الصعود على شجرة كبيرة من أجل تشتيت ذهن المايجور حتى يبتعد قليلًا عن ألبرتو ليجهز خطة للتخلص من المايجور.

يصل ألبرتو مع صوفي لماركس ونظريته الاقتصادية، وكتابة بيان الحزب الشيوعي مع صديقه فريدريك أنجلز (يا عمال العالم اتحدوا)، وصولًا لداروين ونظريته الشهرية التطور، ويشرح لصوفي ما فعله تشارلز داروين من أجل الوصول لنظريته التي أحدثت ضجةً كبرى وخصومات، خصوصًا مع الكنيسة، وكيف أن ماركس وداروين علماء طبيعيون. ويتحدث عن فرويد ونظريته عن التحليل النفسي وكتابه تفسير الأحلام واللاوعي، وأن فرويد تعلم كثيرًا من داروين وأصبح عالمًا يسير على النهج الطبيعي، وأن كتابات فرويد أثرت بشكل كبير.

سفينة داروين المحملة بالجينات تبحر عبر الحياة، وهذه الرغبة الأنانية وغير المعلنة، التي انبثقت في داخلها، والإنسان محكوم بأن يكون حرًّا، وذلك الغراب الأبيض، ونشيدان أو أكثر تتعاقب خطوطهما النغمية، وصولًا بنحنُ أيضًا غبار نجوم.

لم أر من قبل مثل رواية (عالم صوفي) سواء كانت لغة أو سردًا أو تحليلًا لنظريات كبرى ومعقدة، وبها الكثير من التساؤلات، تاريخ الفلسفة ودروسها تشرح أمام أعيننا ويجب علينا أن نتعلم، وأن لا نترك دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة تذهب سُدى حتى لا نبقى في العتمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد