من راق ومقدس إلى حر

أصدقاؤنا في مرحلة الطفولة والمراهقة وربما إلى حين الانتقال إلى الجامعة هم غالبًا ليسوا من اختيارنا، زملاء مدرسة وأبناء جيران اعتدنا اللعب معهم، هم غالبا لا يشبهوننا، ومع مرور كل يوم نفقد رابطا بعد آخر حتى نكاد لا نعرفهم ولا نذكرهم إلا من بعض ذكريات الطفولة. خلال فترة مراهقتي إعتاد بعض أصدقائي الذهاب إلى الأماكن العامة للتعرف على الفتيات أو التقاط إحداهن، وكما كانوا يدعونني للذهاب إلى المنارة دعوني لمشاهدة الفتيات الروسيات اللاتي يرقصن لاحقًا، وقد رافقتهم في إحدى المرات، لكني اكتفيت بلعب دور المترجم بينهم وبين الفتيات، ولم أجارهم بـإنزال فتاة على الطاولة كما فعلوا هم.

في الحقيقة بعضنا وأنا منهم يأخذ موضوع حرية وعدم إهانة واستغلال المرأة بكثير من الجدية، وربما يولد وهو يحمل لها تقديرًا وتقديسًا مبالغًا فيه، وهذا حتمًا يعود في جانب منه إلى البيئة العائلية والاجتماعية التي تربى بها.

لكن هذه القيمة ستهتز عندما تتكرر أمامنا، نحن الرّاقين الذين كنا نعتقد أن التلطيش يُنفر الفتاة، مشهد صديق كهذا وبأحضانه فتيات اصطادهن على المنارة واستجبن لتلطيشاته، أو عندما يحدث أن تلتقيه فتاة الملهى في الخارج وهو الأمي الذي كان يتكلم إليها من خلالي، أو عندما نعتاد رؤيته مع فتاة ما اليوم وأخرى غدًا، فيما نحن، كنا نلتهم كتب الفلسفة والشعر لنفوز بإعجاب الفتاة بطريقة حضارية راقية.. شخصيًا، لم يكن ذلك ليثير غيرتي، فقد كنت أملك ميزات تختصر نصف المهمة وتجعلني محط إعجاب قبل أن أفتح فمي، لكن نظرتنا للمرأة ستتغير وسنبدأ بتبني وتطوير نظرياتنا الخاصة، سننقلها من مرتبة راق ومقدس إلى مرتبة حر. هي حرة في اختيار ما تراه مناسبًا وفق تقييمها الخاص وليس وفق مقاييسنا ورؤيتنا، فوضعها على رف عال وتوقع سلوك يليق بالآلهة لا يقل سوءًا عن وضعها في علبة تقاليد بالية.

طبعًا، مع دخول عصر التندر و«فيسبوك»، تفتحت آفاق جديدة أمام الرجال أمثال صديقي، بحيرة مليئة بالسمك سهل الاصطياد، تحرش بالجملة، إضافات عشوائية، نقرة هنا، محادثة خاصة هناك، تمتنع تلك وتحظره، تستجيب أخرى وتلقاه. وكما عندما كنا في العشرين من العمر، كنت مذهولًا من النتائج التي يحصل عليها. قررت وصديقة تجربة الأمر بحسابات وهمية، شاب وفتاة، اخترنا أسماء حيادية، ريما ورامي، ريما معلمة ورامي مهندس. صور لأناس من «جوجل»، صور عادية محتشمة دون صدر منتفخ أو مفاتن بارزة. كنا نتوقع نجاح حساب ريما في استقطاب العديد من الأصدقاء، لكن ليس إلى الحد الذي حصل.

أرسلنا 50 دعوة عشوائية لذكور وإناث و50 دعوة أخرى لحسابات اقترحها علينا فيسبوك. وبدأ سيل الإضافات ينهال علينا، وبنهاية النهار كان لدى ريما أكثرمن 500 صديق وأكثر من 400 دعوة تنتظر الموافقة، أكثر من 90 رسالة خاصة، بمعنى آخر، أكثر من 90 رسالة تحرش (ميزنا بين الرسائل المستفسِرة التي وصلتنا من أشخاص أضفناهم نحن وتلك التي وصلتنا من أشخاص هم قاموا بإضافتنا ولم نرد إلا على رسالة خاصة واحدة من فتاة شككت بالحساب فاعترفنا لها بذلك واعتذرنا).

كل الرسائل تبدأ بجمل مثل: عذرًا على الإزعاج، أو: إذا لم ترغبي بالحديث أخبريني لأتوقف.. بعضهم يستسلم سريعًا وبعضهم يصل إلى حد وصفها بالعاهرة لعدم الرد على الرسائل، وصلتنا صور إباحية و كلمات نابية وكان الأكثر إثارة للاهتمام هو تلقينا حوالي العشرين اتصالًا صوتيًا، طبعًا لم نجب على أيٍ منها.

أما فيما يخص حساب المهندس رامي فلم يلق النجاح الكافي، كان يحتاج إلى مثابرة ودوافع لا نملكها، أرسلنا الإضافات عشوائيًا في البداية، ثم بدأنا باختيار حسابات معينة، فتيات نعتقد أن في إمكاننا التواصل معهن، وليست حسابات وهمية، خلال وقت قصير كانت ستة فتيات مختارات قد وافقن على إضافة رامي، أغلقنا الحساب كي لا نتسبب بأي أذى عندما تجاوبت إحداهن ودخلت معنا محادثة ودية. كانت التجربة ممتعة ومزعجة في ذات الوقت. حاولنا فتح حديث مع أحد المتحرشين وسؤاله عن مدى جدوى وفعالية هذا الأسلوب مع الفتيات، أجابنا ان هذا يحدث وعندما أخبرناه عن الهدف الحقيقي من الحساب حظرنا. أصابتنا هذه النتائج بالخيبة، أكدت ما كنا نعتقده، هذا يحدث.

يعزو قسم كبير من الشباب تحرشهم بالنساء إلى تصرفات المرأة نفسها أو ملابسها أو تشجيعها لهم، والأهم من ذلك استعدادها الشخصي. هم غالبًا لا يعتقدون أن ما يقومون به تحرش، بل حتى قد لا يقرون بمبدأ التحرش، الذي هو ربما أهون الشرور التي تواجهها المرأة.

إنه حد رفيع يفصل بين المفاهيم، بين الملاطفة المرغوبة أو على الأقل غير المؤذية وبين التحرش، كما هي حال السمات التي تميز رجلًا عن آخر وامرأة عن أخرى.

قد تتجاوب بعض النساء مع التحرش، وقد تمارس الجنس من أجل المال، ربما تحب المال وتتنقل من رجل إلى آخر، تخون وتهجر وتكذب بألف طريقة ولألف سبب، وبعض الرجال يبكون من أجلهن وبسببهن. لكن غالبًا، هذه المرأة تستحق من الرجل لقب عاهرة، وكونه كان حينها مستلقيًا قرب ثانية وثالثة ويخطط للقاءٍ رابع وخامس، أو كونه مُعنِفًا بغيضًا، أو حتى مملًا ذا شخصية ضعيفة، ما هي إلا تفاصيل صغيرة بنظره، هو يعتقد أنه وفيٌ وصادق، هو يعتقد أنه أفضل ما تستحقه هذه المرأة، وهو يصدق ذلك ويعتقد أن عليها تصديق ذلك أيضًا.

إنها عاهرة لم تخضع لابتزازه العاطفي. إنها مصيبة المرأة، مصائب النساء تكمن في معاملتهن ككائن مختلف لا ينطبق عليه ما ينطبق على الرجل. فللرجل، زيادة على حقوقه الفضفاضة مجموعة فضفاضة أيضًا من التبريرات الاجتماعية الجاهزة سلفًا، فيما تُختصر حالات المرأة بأكملها بكلمة واحدة: عاهرة.

وليس الأمر وكأن هناك جنسًا ثالثًا يُطبق عليهما معايير مختلفة، هو الرجل، يتصرف تمامًا كما يجب أن يتصرف حسب الطبيعة البشرية، ولكنه ينكر عليها ذلك، فإضافة إلى التعدي المباشر عليها كالتحرش والاعتداء الجسدي والقوانين الظالمة، هو يستهجن و يُعهّر تصرفها ككائن بشري لديه، كما الرجل، صفاته البشرية وخصاله الخاصة، شخصيات مختلفة، متناقضة ومعقدة، منطق وذكاء حاد أو متدنٍ، لديه حالاته وأمراضه النفسية، لديه نزواته، يحب ويكره، يصيب ويخطىء. للرجل أن يترك المرأة من أجل أخرى أصغر سنًا أو أكثر جمالًا، للرجل أن يحب أكثر من واحدة، للرجل أن يشعر بالتعب والملل منها، للرجل أن يقرر متى تكون النهاية، وهو، ينكرعليها كل ذلك. ببساطة، إنه يسلبها حقها في التصرف بحقارة كما يفعل هو، وكل نقد يتلقاه الرجل على تصرفاته يبقى عند حدود هكذا هم الرجال، أما المرأة فهي غالبًا شيطان بغيض، عاهر وناكر للجميل.

لا يتعلق الأمر بصديقي أو بهذه الفئة من الرجال، الأمر لا يتعلق بالنساء أو بفئة من النساء، إنها طبيعتنا كبشر وتركيبتنا النفسية المعقدة كأفراد، قد ننام على شعور ونستيقظ على آخر. كثيرات خنني وكثيرات كذبن علي، وأغلبهن هجرنني من تلقاء أنفسهن، لكن مهلًا، كيف لي لومهن في حين أني لا أذكر علاقة واحدة كنت فيها وفيًا ولم أخن، وبكثرة؟ كيف لي لومهن في حين أني لا أذكر علاقة واحدة كنت فيها صادقًا؟ رغم أني صدقًا حاولت. لست أقول إن هذا ما يجب أن تكون عليه العلاقات، لكن ما أعتبره جزءًا من طبيعتي لا يجعل من المرأة عاهرة.

شوبنهاور كان لا يرى في المرأة أكثر من عاهرة، وكذلك صديقي، كان وما زال كما هو، متزوج ولديه أربعة أولاد من زيجات سابقة، ساعدته التكنولوجيا على توسيع دائرة احتقاره للمرأة، ولا شك أنه يتلقى تجاوبًا يشجعه على الاستمرار. ما زال كما كان، يرى المرأة كعاهرة، عاهرة إن تجاوبت، عاهرة إن تمنعت وعاهرة إن اكتفت منه. ورغم أني لا أستطيع أن أذكر حسنة واحدة يتمتع بها، وخصوصًا في تعامله مع النساء، يبدو كلما التقيته مفطور القلب، يشكو خداع إحداهن، رنة هاتفه أغنية حبيبها لعبد الحليم حافظ ألم تزل تلقاني وتستسيغ خداعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد