ويتنزل القرآن، والنبي مستمر في دعوته للناس من أهل مكة، وزوارها من الحجاج والمعتمرين. والقلة المسلمة، متمسكون بدينهم، صامدون أمام عداوة القوم، وتجبرهم بهم، وأذاهم لهم. ومع مرور الوقت، وتزايد أعداد المؤمنين، وصلابتهم في التمسك بدينهم وتحمل الأذى والتعذيب؛ بدا الأمر يتضح لقريش وصناديدها، ولأولي الأحلام من أهل مكة، بِأبعَاد هذا الدين الجديد، الداعي لعبادة الله وحده، ونبذ كافة أصنامهم وأوثانهم.

إنه يدعوهم لقول: لا إله إلا الله. فلا هبل، ولا مناة، ولا لات، ولا عزى. ولا شرف للقيام على تلك الأصنام، ولا حجيج وزوار لها، ولا نذور، ولا هيبة، ولا سلطة.

 صار الأمر وكأنه سيقلص مكانتهم الدينية وسلطانهم الروحي على أهل الجزيرة، كما بدا وكأنه يهدد مقومات حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ويزلزل نمط حياتهم، وقبليتهم وعشائريتهم، مضافًا لذلك ما يؤكد أن هذا الأمر قادم لتحطيم الإرث التاريخي من دين آبائهم.

 وقد حاولوا وقف دعوة محمد بكل ما لديهم من وسائل مُتاحة، فلم يواتهم النجاح، سواء بالنصح والمحاورة، أو بالشتم وبالسباب، ثم بالتهديد والوعيد، أو بالتعرض للمؤمنين في الأسواق والطرقات والحرم. ثم عمدوا إلى الشكاية لعمه أبي طالب.

 ثم خاطبه رهط من قريش؛ محاولين الالتقاء في منتصف الطريق معه، عسى أن يقترب هو أيضًا ليلاقيهم؛ فيعرضون بعض التنازلات؛ نظير أن يتنازل النبي عن كثيرٍ مما جاء يدعو إليه.

قالوا: يا محمد! اتبع ديننا، ونتبع دينك، تعبد إلهنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فقام النبي – صلى الله عليه وسلم – على رؤوسهم في الحرم، يقضي على آمالهم، ويسفه دينهم ويرفض عروضهم، فيخيب رجاءهم ويحبط مسعاهم.

 ليس ردًا أو خطابًا من النبي – صلى الله عليه وسلم – إنما كان بأمر الله له. فالله يأمره، ويخاطبهم من خلاله، قل يا محمد، قل لأهل مكة، قل لقريش، قل للعرب والعجم، قل للناس أجمعين، قل لمن كان منهم مشركًا أو كافرًا، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. ﴿١﴾

 وهنا المرة الأولى التي يسميهم ويناديهم القرآن بهذا اللقب: أيها الكافرون، فلا حساب لغضبهم، ولا مهادنة مع كفرهم، وصدهم عن سبيل الله، وهم بالطبع لا يقبلون لقبًا أو اسمًا يصفهم بما لا يحبون.

فهم – كما يرون أنفسهم – أهل دين، وسدنة بيت الله، وورثة ملة إبراهيم، فأين ذلك من الكفر؟

 كان الكثيرون من أهل مكة يترقبون بفضولٍ، ما يصدر عن محمدٍ – صلى الله عليه سلم – مِن قولٍ أو فِعلٍ، فيتناقلونه بينهم، ويتفكهون به غَمزًا وسخريةً، ولكن الخطاب والنداء كان صارخًا ومُدَّويًّا، جاءهم من خلال محمدٍ، متجهًا إليهم: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ.. وقد أسماهم الله فيه بالكافرين.

فَلِم َ ينادِي الله رسوله؟ إنه يأمر نبيه وكل المسلمين أن يخاطبوا المشركين بذلك النداء: يا أيها الكافرون. وليخبرهم النبي ومن آمن معه. قائلًا: لا أعبد ما تعبدون. إنها مفاصلة كاملة؛ فقد أُمِرَ الرسولُ وكل من اتَّبعه أن يقول للمشركين: دينكم ليس ديني، وطريقكم ليس طريقي، وعقيدتكم ليست عقيدتي.

إنه يقول: يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ! لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾. وكأن الرسول يقول لهم: فلا تجمعني بكم تلك المعبودات التي تعبدونها، ولم تكن كذلك منذ أن كنت صبيًا، وإلى أن كلفت بالرسالة.

إن الفعل المضارع أعبد هنا، هو إقرار بالحاضر، وشمول للماضي، فما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعبد آلهتهم المزعومة، لا من قبل، ولا الآن، هذا هو موقف محمد ورب محمد ودينه من آلهتكم.

وكأن الرسول يستمر في خطابهم: أما أنتم معشر المشركين والكفار، وقد علمتم أنني لا أعبد ما تعبدون، وكيف للكافرين أن يكونوا لله عابدين؟ فمعبوداتكم – اليوم – هي أصنامكم وطواغيتكم، ونحن معبودنا واحد لا شريك له، لا إله إلا الله، ولَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾.

من يعبد غيره، فهو لن يعبده، فعبادته تقتضي تنزيهه عن الشِرك والشركاء والصاحبة والولد، إنه الواحد الأحد الفرد الصمد، فأنتم بما أنت عليه من شرك وكفر حقًا لا تعبدون ما أعبد.

وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾. وإن كان فيما هو قادم من أيام وأزمان، فقيامكم على الشرك والأوثان لن يجعلكم عباد الرحمن. هل أدركوا جيدًا الكلمات ومعانيها؟ وهل وعوا البيان وما يحويه من مفاصلة مع عقيدتهم ومعبوداتهم؟ ربما تختلج الخواطر والأوهام في النفوس، فتتصور بأن هذا الأمر يمكن مراجعته، وأن ذلك البيان يمكن نقضه، كله أو بعضه. وقبل أن تتدبر النفوس مخرجًا أو تخفيفًا للمفاصلة الحاسمة الصادمة لهم، والمهينة لكبريائهم، مع اغتِرَارِهم بجاهليتهم وعقيدتهم ودينهم … تأتيهم الآيات متتابعة، لتقضي على أي منفذ أو مخرج، وتضع سياجًا محكمًا، يباعد بين دين محمد ودينهم، وإله محمد الواحد الأحد ومعبوداتهم المتعددة، فتهوي الآيات على رؤوسهم، تضيف بعدًا مستقبليًا، للبيان الذي قرر واقع الحاضر والماضي، ولتستمر المفاصلة للمستقبل: وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾.

(فلم يكن) عبدًا لمعبوداتهم من قبل، ولا هو يعبد الآن معبوداتهم تلك، ولن يكون أبدًا في أي زمنٍ قادم عابدًا لِما يعبدونه، فيلقيها على أسماعهم: وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾.

هو عهد ووعد، وإصرارٍ وقرار أجراه الله على لسان نبيه في آيات قرآنه، بأنه أبدًا، لن يشاركهم عبادتهم تلك، هذا طريق دعوته الواضح ودربها الأوحد المنير وسط دياجير الظلمة والجاهلية، إنه صراط الله المستقيم، إنه الإيمان بأنه لا إله إلا الله طريقًا ومنهاجًا.

– ويستمر البيان قاصدًا المستقبل: وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾، فأوثانكم وطواغيتكم وشرككم بالله، لا يتأتى معها عبادة الله الواحد، فشرط الانضمام لقافلة الموحدين وولوج رحاب عبادةِ الله وحده، ألا يكون في نفوسكم شيء من شرك، وألا يكون في أمركم ما يحسب كعبادةٍ لوثنٍ أو حجرٍ، أولطاغوتٍ أو بشرٍ، وأن تخلص له النفوس والأرواح وأن يبطل كل ما سوى الله، لتكون الصلاة والنسك والمحيا والممات، لله وحده سبحانه وتعالى، كما قال في آياته: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. الأنعام 162.

فطالما أنتم على شركِكم وضلالِكم، فلن تكونوا عبادًا لله. وطالما رفضتم دعوة الإسلام، وعصيتم رسوله، وامتنعتم عن الإيمان بما جاءكم به، فلن تكونوا من عباد الرحمن.

 طريقنا وطريقكم مختلفتان، ولن تجتمعوا معنا بشرككم ودينكم في طريقٍ… فسبيلنا هو لا إله إلا الله، فلتمضوا على دربكم إن شئتم وأبيتم أن تؤمنوا، وسنمضي نحن في طريقِنا يا أيها الكافرون، و: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾.

وتنتهي السورة ولا ينتهي أثرها، فهي بداية لمرحلة جديدة – مفاصلة مع الكافرين – وبتسميتهم بالكافرين، يصبح أساس الموالاة هو الإيمان بالله وحده، وليعلم مشركو مكة أنهم – من اليوم – صاروا في فسطاط الكفر. وأن محمدًا وأتباعه من المؤمنين في فسطاط الإيمان، ولكلٍ طريقٌ ولِكُلٍ دينٌ.

كل تلك القوة والعزة التي يحادثهم بها القرآن، ويحدد لفصيل الإيمان موقعه، وكأن المؤمنين هم الغالبون، وليسوا المستضعفين المنبوذين، وكأن القوة والسلطة معهم، وكأنهم الأعزة، بالرغم من قهرهم وإيذائهم.

 ما أعجب تلك الروح الاستعلائية الواثقة، التي تنطق بها آيات القرآن، بالرغم من أن المسلمين مستضعفون مضطهدون منبوذون، وليس لديهم دعائم حقيقية، أو سند ذو قوةٍ وشكيمةٍ من عصبية أو جاه يمنع المشركين من إيذائهم وإيذاء النبي – صلى الله عليه وسلم – إنها الرسالة التي بعث الله بها رسوله، وتعهد بنصره، ونشر دينه، والتمكين له في الأرض، وصدق الله وعده.

د. محمود الحوت

سجن الزقازيق العمومي

الجمعة 21 المحرم 1436

14 نوفمبر 2014

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدبي, ثقافي, ديني
عرض التعليقات
تحميل المزيد