فلسطين- غزة

(1)

تصدر مخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين في محافظة بيت لحم عناوين الأخبار والصحف الفلسطينية والصهيونية، وذلك في سياق الحديث عن «عملية الباص» الفدائية النوعية في القدس، والتي نفذها الاستشهادي عبدالحميد سرور الذي قدم من ذلك المخيم؛ ليُعبّر بجسده الطّاهر عن تدشين المرحلة الأخطر والأهم في مسير انتفاضة القدس، والتي ظنّ البعض من المتابعين أنّها أُجهضت بفعل عمليات التنسيق الأمني المستمرة في تصاعدٍ مخزٍ.

بل وتفاخرٍ بإنجازات التنسيق الأمني المنتنة، وقد تواردت في تسابقٍ بين رجالات وقادة هذا المشروع الأمني، حتى كانت التصريحات التي أدلى بها رئيس مخابرات المقاطعة في (راملّه) ماجد فرج كشهادة اعتماد جودة في سياق تعميده كأحد أقطاب الخيانة في حلة وجهة النظر!

ثم لم تلبث الساحة الإعلامية إلا قليلًا حتى انبرى رئيس سلطة المقاطعة نفسه بصريحات أخزى من أختها، ثم يعقبها بزيارات يؤكد على روح المودة ومد الجسور بينهما وكأنهما مشروع واحد يربط بينهما مصير مشترك، حتى خرج على الشاشة الصغيرة في حوار مع القناة الصهيونية الثانية تنكشف في هذا الحوار حالة من الذّلة والتوسل بأن يعطى الفرصة ليقوم بواجبه وفق متطلبات الاعتماد لخدمة أطفال العم سام.

(2)

نعم، العملية الفدائية تلك ستفرز بما لا يقبل الجمع والتقارب بين المشروع الأوسلوي، والمشروع الوطني الفلسطيني القائم على التحرير الكامل والعودة للديار والذي سيتعزز بفعل الروح الثورية التي دفعت بالاستشهادي المقدام عبد الحميد وإخوانه ليكون وقود ثورة لن تخمد حتى تترجم إلى واقع سياسي ينهي وبلا رجعة مشروع الامتيازات والاستثمارات والـ V.I.P مقابل خيانة وطنية لا تقبل التشكيك أو التسويق ولا سيما بعد قرارات المجلس المركزي القاضية بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال.

وذلك بعد حقبة هي أسوأ ما مرّ على القضية الفلسطينية حيث لم يفشل فيها مشروع أوسلو في نقل الشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال فحسب، بل كرّس الاحتلال في أبشع صوره وأحطّها؛ فزادت وتيرة الاستيطان في الأرض الموعودة (الضفة الفلسطينية) بقيام الدولة المنتظرة (الدولة الفلسطينية المستقلة) والعاصمة المنشودة (القدس) التي وصل التهويد حتى داخل حرمها الشريف، بالتقسيم الزماني والمكاني، غير أنّ أحداث الانتفاضة والمرابطين من يحول دون تجسيد هذا التقسيم واقعًا مفروضًا..

(3)

لقد أعادت عملية سرور من جديد قراءة حالة الهدوء التي سبقتها بأنّها لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأنها ليس إلا كمون يتخلق فيه إعصار؛ لتتعزز به الانتفاضة الثالثة المشتعلة في الضفة الفلسطينية والقدس.

فكم كان صادمًا هذا للأوساط الأمنيّة الصهيونية بشقيّها (الظاهر منه والباطن) هذا التصعيد النّوعي الذي نقل المعركة في قلب الكيان ومدنه المحتلة الكبرى، وما تحمله تلك من صور ومشاهد مؤلمة جدًّا لهذا الكيان الغاصب الذي يُمارس ما هو أبشع وأشدُّ إيلامًا في كل المدن والبلدات والقرى والمخيمات الفلسطينية وعلى مدار اغتصابه للأرض العربية.

(4)

أجل، لقد تواردت حتمًا في ذهنيّة قادة الكيان من جديد حالة العجز في القدرة على مواجهة شعب يريد الحرية وهو مستعدٌّ أن يدفع في سبيلها كل ثمنٍ يمتلكه وبلا تردد، وهنا تأتي كلمات المجرم الهالك إسحاق رابين: «ماذا عسانا أن نفعل لمن يريد أن يموت؟».

كما، وتظهر بهذه العملية البطولية صورة العياش وسلسلة الرّد الفدائيّة التي انطلقت ردًّا على مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1993، والذي جاء ردّه الأول من الخضيرة والعفولة واستمرت هذه السلسلة تُهتّك أستار الأمن الصهيوني المزعوم لتصل كلّ المدن المحتلة الكبرى؛ فتعجل في تسريع إدخال الشعب الفلسطيني في متاهات أوسلو وما تلاها من تفاهمات واتفاقيات وما ترتب عنها من التزامات واستحقاقات أمنيّة واقتصادية مذلة.

وكذلك تواردت في الذهنية الأمنية الصهيونية وربائبها عقب هذه العمليّة الفدائية مشاهد عمليات الثأر المقدس التي قادها الأسير البطل ابن خان يونس الفداء حسن سلامة في رده على استشهاد المهندس يحيى عيّاش.

يوم فرض منع التجوال على الغاصبين في المدن المحتلة الكبرى، وقد تهاوت منظومة الأمن الصهيوني تحت الضربات المتوالية، في شكل عجز قادة الكيان عن مواجهته، في مطلع عام 1996.

يومها تدخلت بقوة أجهزة التنسيق الأمني وقد أثخنت كثيرًا في ظهر المقاومة، وأسلمتها للاحتلال، ولم تتوقف حتى أتت على كل عتادها، وبقيت تلاحق رجالها وسلّمت خلاياها والتي أبرزها خلية صوريف، وشاركت بما أورده من معلومات في اعتقال الأسير حسن سلامة.

واستمرت في تجبرها إلى أن جاءت الانتفاضة الثانية التي أعادت للشعب مكانته في تقرير مصيره بعيدًا عن المشاريع المشبوهة.

(5)

واليوم قد زعمت الأبواق الإعلاميّة الصهيونيّة بأنّها اعتقلت الخلية التي نفذت العملية وأرسلت الاستشهادي بعد أقل من (24) ساعة.

وبعد أن سارعت من قبل قيادة التنسيق الأمني في المقاطعة بالإدانة وبشكل واضح لهذه العملية التي تجد فيها نهاية اعتماد لها، بل فيها تأكيد على عدم قدرتها على مواجهة جيل يريد التحرير.

فإنّ أدواتها قد استهلكت وأنّ مبرراتها قد سُقطت، وأنّ حُجتها قد بُهتت، ومشروعيتها إن وجدت فقد تهاوت وتداعت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد