لا أظن أنه يجب أن يعرى الإنسان حياته هكذا ليتطهر أمام المجتمع من قضية أخلاقية تورط فيها كمجني عليه، عشرات الاعترافات والاعتذارات نقرؤها كل يوم ثم ننساها وتبقى لأصحابها ولذويهم وصمة وإن أنكروا وأنكرنا، يحكي كل منهم واقعة تحرش أو اغتصاب أو علاقة مؤذية تورط فيها لسنوات وتؤلمه، ربما بحجة الاستشفاء أو لينفي عن نفسه تهمة ويلصق بها ما هو أعظم منها أنه مثلا كان مأخوذًا مسلوبًا.

أنا أصدقك ويصدقك الجميع، فمن منا لم يُسلب أو تأخذه التجربة ومن منا لم يكن عرضة للاستغلال والإساءة؟!، جسدية أو نفسية أو مادية، في سجال دائر بين شاب وفتاة كانا حديث السوشيال ميديا من قبل ست سنوات ثم عاد ليتصدر الترند اتهمت الفتاة صديقها المقرب بالاغتصاب والإساءة النفسية والجسدية خلال علاقتهما التي انقضت، رغم مضي كل منهما في حياته وزواجه من شريك جديد فإن جراحها لم تندمل، ويدافع الشاب عن نفسه بأنها كانت علاقة جنسية بالتراضي والتوافق بين الطرفين وبعلم بعض الأصدقاء.

يقول الشاب في اعترافه الذي دونه عبر صفحته على الفيس بووك: محبتها كانت كبيرة جدًا، أكبر من أي محبة في حياتي، لكنها محبة مريضة تصل لحد الهوس، كانت تحاول حل كل المشاكل بالهدايا و الجنس، حتى أنها كتبت لي نسخة ورقية من كتاب إلكتروني بخط يدها كهدية إضافة إلى هدايا ثمينة مثل «لاب توب» أو «تابلت»، لقد تحملت كل الأذى اللاحق ضريبة لأخطائي عرضت عليها أن نتزوج فرفضت بحجة أنه عرض شفقة لا أكثر، تركت عملي ومدينتي وأهلي وكل من يعرفني لأبتعد عنها وبدأت كل شيء من الصفر، خمس سنوات ضاعت من عمري لأبدأ من جديد، لا أحد كبير على الخطأ وأنا حاولت أن أكفر عن ذنبي الذي أعترف به، لكنني لم أفعل ما تتهمني به من ابتزاز لها بصور فاضحة أو اغتصابها أو التعدي عليها، هي تريد لعب دور الضحية أو الناجية أو الداعمة لغيرها ولا تعترف بذنبها مثلي.

تقول الشابة خبيرة العلاقات المدمرة عبر صفحتها على فيس بوك: لم أكن لأصدق أن هذا الشاب المثقف، المتدين، المتصوف متحرش ومغتصب. عانيت الكوابيس ونوبات الكرب والاكتئاب وشعور بالذنب لا أستطيع تجاوزه. كنت أخاف منه ومن ضغطه وغضبه وتحكماته وزعله وأحكامه وعقابه. اغتصبني بعد أيام من موت صديقتي وكان يتهمني أن رفضي للجنس سببه تعرضي لتجربة تحرش في طفولتي وكان يشتمني بأقذر الشتائم، لم يوافق أي شخص على الوقوف بجانبي بدون شرط الكتمان.

الآن ماذا تنتظر مني أنا تحديدا كقارئ؟! أن أشفق عليك أو أدين الآخر؟ أنا بالفعل أشفق عليك لا أحد يستحق الألم حتى وإن أخطأ من حقه أن يعتذر، أن يصوب خطأه، أن ينقذه القدر أو يكون رحيما به، لكن شيئا من هذا لن يحدث، لا أحد سيرحمك ولا القدر سيتغير من أجلك، أود لو أضمد جرحهم ثم أصفع كل واحد منهم على وجهه وأنا أقول له نحن لسنا قضاة ولا ساحة عدالة. لا يعرف الإسلام طقس الاعتراف ولا يعتبره تطهرا وإنما ندم وتوبة محلها القلب، إقرار بالذنب تكلله توبة بين العبد وربه ورد للمظالم، وحتى في المسيحية الاعتراف يكون لقس في خلوة، إذن من قال إن الجهر بالذنب يمنحك صكا وعفوا من جعل هذا أمرا يظن البعض فيه شفاءه، أنت تدفع ثمنا باهظا مقابل هذا البوح وإلقاء أحزانك خارج صدرك للحظات.

يقول المختصون النفسيون أن البوح والحكي الجمعي نوع من أنواع العلاج النفسي للمساعدة على التخطي والتصالح مع النفس وتشير قدرتها علي البوح على التحرر واكتساب الثقة في التعامل مع الماضي المخزون في منطقة يصعب عليك الولوج إليها بمفردك. فالإنسان كائن اجتماعي يحتاج إلى مجتمع يحس بمشكلاته ويتفهم ما يعانيه، من غير أن توجه إليه أصابع اللوم والرفض وإلا دفعه ذلك لعدم البوح بمشكلته والانكفاء على ذاته لأنه يستقبل بالعتاب والإقصاء من قبل المجتمع، أما في العلاج الجمعي فهو بين قرناء خاضوا أو يخوضون معركة مشابهة لمعركته ما يختلف عن المجتمع الكبير الذي لا يعلم عن ألمه شيئا. حيث يقوم المعالج في الجلسة بتقريب أفراد المجموعة من بعضها وحثها على البوح والفضفضة بمكنوناتها ومخاوفها وتبادل خبرات العبور خلال مراحل الألم نحو السكينة. لكن نجاح العلاج الجمعي يحتاج عوامل يجب مراعاتها من دونها يصبح الأمر مشاركة لبعض الأسرار كما لو التقيت عابرا غريبا في قطار فأفصح كل منكما للآخر عن مكنونات صدره في يسر، منها دور المعالج وقدرته على توجيه الحوار بشكل ذكي وإيجابي، والعلاقة بين أفراد المجموعة، وكيفية كسب المعالج لثقة أفراد المجموعة وبناء علاقات جديدة فيما بينهم، ثم خلق توجهات إيجابية داخل الحوار، ومراعاة العادات والتقاليد الخاصة بالمجتمع بحيث لا يدمر بعضهم ما يبني الآخر.

إذن من أين أتى كل ذلك، كل هذا البوح المجاني، هو مشهد مثل مشاهد السينما الأمريكية عندما يقف البطل الجريح معترفًا بذنبه أمام الناس، يسكب كبريائه ويبكي على الملأ، فتصفق له الجماهير، ثم تهتف باسمه وتمنحه صك البطولة لأنه امتلك شجاعة استثنائية وبطولة نادرة، بطولة وهمية سينمائية، في واقعنا هي راحة مؤقتة يعقبها ثمن فادح.

لماذا تخزي نفسك أمام الناس، ماذا تنتظر فتاة تعلن عن تورطها في علاقة مسيئة من مجتمع يدين أصلا الفتاة العزباء؟!، أو ينتظر شابا يقف أمام الخلائق ويستبيح كشف المستور ليعتذر، وربما أحدهما بيده قرينة والآخر لم يكترث بحفظ دليله بعد سنوات، ثم ما كل هذا التعلق بنظرة المجتمع لك وتأليه رضا الناس عنك، ما كل هذه الثقة في رحمة الناس وعدالتها، وما حال أهلك وذويك وأطفالك وهم يقرأون اعترافاتك بعد 10 سنوات.

لا يجب أن يرى الناس منك جرحًا مكشوفًا، فهذا لن يساعدك في الشفاء، عيون الناس كالذباب تلتهم الجرح الساخن، من الذي قال لك إن في البوح راحة، برد جراحك بالنجاحات الصغيرة، اغمس نفسك في بعض الصمت، تأمل ما حدث لك، أعد ترتيب الأحداث في رأسك ألف مرة لتدرك أن ما حدث لم يكن لك أن تتجنبه أو تنجى نفسك منه، لأنك لست إلهًا أنت هنا زائر غريب من حقه أن يتخفف من حمولته، وتعلم أن تسامح أنت نفسك حتى وإن أخطأت خطأ عظيمًا لن يسامحك عليه أحد، نفسك تستحق رحمتك، وإن أصررت بعد ذلك على الإفصاح فكن أديبًا يحاور شخصياته وينطقها بما يريد، إفصاح مباح لن يحاسبك عليه أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد