دعاء عبد المقصود
دعاء عبد المقصود

أمام هذا العبث، لا أملك سوى إمساك قلمي لأعبر عن غضبي تجاه قرار ترامب، عبر بضع كلمات لا تسمن ولا تغني من جوع، مجرد كلمات كتلك المتداولة في الغرف المغلقة والمؤتمرات، التي تصدح بالتنديد والشجب، ليخرج قائلوها بعد ذلك لتناول طعامهم الفاخر، وكأن لا شيء يحدث للمسلمين.

عام 1969م، ارتكب الصهاينة جريمة حرق المسجد الأقصى، بعدها خرجت علينا رئيسة وزراء الكيان الصهيوني المحتل جولدا مائير بعبارتها الشهيرة: «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل كيف أن العرب سيدخلون إسرائيل أفواجًا أفواجًا من كل حدب وصوب، لكني عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركت أن بمقدورنا أن نفعل ما نشاء فهذه أمة نائمة!»، نعم، أمة نائمة مرت عليها منذ وقوع مدينة القدس في قبضة الاحتلال عقب عدوان يونيو (حزيران) 1967، العديد من الاقتحامات لساحاته وإقامة الحفلات الماجنة تدنيسًا له دون حراك عربي- إسلامي مؤثر، وكان الحراك الوحيد المؤثر أمام تلك الانتهاكات المتواصلة ضد المسجد الأقصى، اندلاع الانتفاضة الثانية على خلفية اقتحام آرئيل شارون مع أعوانه المسجد عام 2000؛ مما شكل وقتها استفزازًا واضحًا لمشاعر المسلمين والعرب.

وجاءت النية المبيتة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني، لتتوج تلك السلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى، وسعيها المتواصل إلى هدمه تحت زعم إقامة هيكل سليمان.

ليس غريبًا ذلك النهج في سياسة الرئيس الأمريكي الذي سبق أن وعد خلال حملته الانتخابية نهاية العام 2016، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدلًا من تل أبيب، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن الأمر مرتبط فقط بالتوقيت، وبنظرة عميقة إلى مجريات الأمور بالمنطقة، نرى أن الوقت أصبح مناسبًا من وجهة نظر ترامب، فدول المنطقة منهكة بين التفتت، والنزاعات الداخلية، والصراعات الخارجية فيما بينها، إضافة إلى جماعات متطرفة ترفع راية «لا إله إلا الله» وتقتل كل من هو مسلم! فهل هناك وقت آخر أكثر مناسبة لهذا الحدث الجلل من هذا التوقيت؟!

وعلى الرغم من تشكيك المعارضين في الأهداف الحقيقية لقرار ترامب، وأن الهدف الأساسي لتلك الخطوة هو شخصي بحت؛ لكي يثبت لقاعدته السياسية أنه يفي بوعوده الانتخابية، فإن القرار سيتضمن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل فقط، في حين يؤجل عملية نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس لفترة تتراوح بين ثلاث سنوات أو أربع، دون تحديد جدول زمني لذلك، ووفق مسؤول أمريكي، فإن القرار يحظى بدعم واسع في الكونجرس، وأن واشنطن متفائلة بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، معتبرًا أن «تجاهل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لم يسهم في تحقيق السلام لأكثر من عقدين»، مشيرًا إلى أنه وُضعت خطة لضمان سلامة الأمريكيين بالشرق الأوسط بعد إعلان ترامب.

وباتت كل خيوط اللعبة تتهيأ لتمهد الطريق أمام القرار، فنجد مجلس الشيوخ الأمريكي في 5 يونيو 2017، يتبنى قرارًا يدعو إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتسوية الصراع على أساس حل الدولتين، وعلى الرغم من أن القرار وقتها لم يكن إلزاميًا، فإنه يعكس الرؤية الأمريكية حيال الحق الفلسطيني، وهذا التوجه سبقه توجه مماثل عام 1995 عندما صوت الكونغرس الأمريكي على قرار يسمح بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إلا أن الوضع الشائك دفع الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين إلى توقيع وثائق، كل ستة أشهر، تقضي بتأجيل تنفيذ هذا القرار.

وفي خطوة تعد تأييدًا واضحًا من قبله للتحركات الأخيرة لترامب لإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وقبل يوم واحد يفصل العالم عن أكثر المشاهد غموضًا في عالم السياسة، من حيث رد الفعل المتوقع حيال القرار، وإن كان الرد المتوقع شعبيًا منه أكثر منه رسميًا، صوت مجلس النواب الأمريكي بالإجماع على مشروع قانون لوقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، إلى حين التأكد من أنها أوقفت دفع «رواتب للفلسطينيين الذين يقومون باعتداءات ضد مواطنين إسرائيليين أو أمريكيين».

ومن المضحك أن نستيقظ على خبر يطالعنا بإجراء ترامب اتصالات مع كل من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني عبد الله الثاني، والعاهل المغربي محمد السادس، والعاهل السعودي؛ لإبلاغهم بنيته نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وكأنه وعي جيدًا عبارة جولدا مائير عام 1969 بأن تلك الأمة «أمة نائمة» لا خوف منها.

وأمام تلك التحركات الأمريكية، لم تصمت الكيانات الدينية الكبرى في العالم، إذ دعا بابا الفاتيكان إلى احترام الوضع القائم في القدس والتحلي بـ «الحكمة والحذر»، معربًا عن قلقه حيال الوضع الذي نشأ في الأيام الأخيرة حول القدس.

وقال البابا أمام الآلاف في الفاتيكان: «القدس مدينة فريدة، مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين الذين يصلون فيها كل في المواقع المقدسة لديانته، ولها رسالة خاصة من أجل السلام»، مضيفًا: «أرجو الرب الحفاظ على هذه الهوية وترسيخها بما هو لصالح الأرض المقدسة والشرق الأوسط والعالم أجمع، وأن تغلب الحكمة والحذر لتفادي زيادة عوامل توتر جديدة إلى مشهد عالمي تسوده بالأساس الاضطرابات ويهزه العديد من النزاعات الضارية».

أما الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر، قال: «لو فتح باب نقل السفارات الأجنبية إلى القدس؛ ستُفتح أبواب جهنم على الغرب قبل الشرق»، وذلك خلال لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

وقد يتساءل بعضهم عن تداعيات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فهي اعتراف مباشر بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما ستحذو دول أخرى حذوها وتنقل سفاراتها، كما أعلن رئيس الفلبين ليكون أول المؤيدين للقرار دوليًّا، كما يؤثر مستقبلًا على قيام الدولة الفلسطينية؛ فبهذا التحرك لن تكون القدس أو حتى القدس الشرقية عاصمة لها، وستتحول مفاوضات السلام إلى مجرد مضيعة للوقت؛ لأن الأمر حُسم على أرض الواقع، وبهذا تكون الولايات المتحدة ضربت بالقرارات والقوانين الدولية عرض الحائط.

أما السؤال عن كيف وصل الوضع في القدس إلى هذه المرحلة المعقدة؟! فتتلخص الإجابة عنه في الآتي:

  • 1947 صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، واختص القدس بإدارة دولية.
  • 1948 أعلن قيام دولة إسرائيل.
  • 1949 وضعت الحرب أوزارها بهزيمة الجيوش العربية واحتلال إسرائيل للقدس الغربية، وسيطرة الأردن على القدس الشرقية، والتي تشمل البلدة القديمة وفيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
  • 1967 احتلت إسرائيل القدس الشرقية.
  • 1989 عرضت إسرائيل على أمريكا قطعة أرض في القدس لإقامة السفارة الأمريكية عليها، قيمة إيجار الأرض دولار واحد سنويًا لمدة مئة عام.
  • 1995 قرر الكونجرس بنقل السفارة إلى القدس بدعوى احترام اختيار إسرائيل لعاصمتها، ولكن اعتاد كل رؤساء أمريكا المتعاقبين توقيع قرار كل ستة أشهر بتأجيل التنفيذ خوفًا على المصالح الأمريكية.
  • 2016 فور إعلان فوز ترامب برئاسة أمريكا وقبل أن يتولى منصبه رسميًّا، انطلقت حملات تنظمها إسرائيل والجماعات اليهودية في أمريكا تطالبه بتنفيذ وعده خلال الحملة الانتخابية.

وبعد هذا، عذرًا يا رسول الله لسنا من اشتاقت لهم نفسك وبكيت شوقًا للقائهم، عذرًا يا حبيب فقدنا بوصلتنا ولم نحفظ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك