فاطمة نادي

31

فاطمة نادي

31

إنها العشر الأواخر من رمضان، الوقت الضائع من الهدنة التي تُتاح لنا في كل عام؛ كي نتصالح مع أنفسنا. بالنسبة لي، رمضان في حد ذاته ليس شهرًا للامتناع عن الطعام والشراب، والاجتهاد في أداء الشعائر الدينية بأنواعها وحسب، بل هو حلقة دورية للعلاج النفسي!

يأتي رمضان ليذكرني أني لم أخلق لأسعى وراء إشباع رغباتي الدنيوية فقط، يجعلني ألحظ أن الطعام والشراب ليسا وحدهما وقود الحياة. يُنبهني أن لي مهمة ما على الأرض، غير السعي وراء لقمة العيش في دائرة مفرغة؛ حتى يتمكن جسدي من أداء وظائفه الحيوية، والاستمرار في حياة كحياة الدواب.

يُضيء ضوءًا أحمر في رأسي، يُوقظ بي حواسًا جديدة تتخطى الحواس التقليدية. يجعلني استشعر كم أن نفسي أمارة بالسوء، وكم أني ضعيفة أمام هواها وطباعها العنيدة. يمنح لي فرصة للتدرب على مُغالبة الهوى، وجهاد النفس، ومُخالفتها فيما تُمليه وتشتهيه.

يبعث لي برسالة تُخبرني بأنه ماضً سريعًا، وكذلك العُمر يمضي أيامًا معدودات. يحث تفكيري على البحث عن آفاقٍ جديدة، تسمو بها روحي ويرقى بها فكري، بعيدًا عن المتع الجسدية ونشوة لذتها الوقتية.

يوجهني نحو حياة أخرى روحانية، زاهدة في متاعها المادي، ومظاهر السعادة السطحية، بيد أنها فاحشة الثراء بما تحويه من متع حسية نقية. يُشجعني أن أمنح نفسي الفرصة؛ لأنهل من عطائها الواسع وأملأ روحي من فيض سكينتها.

ومع صيام جسدي عن مصادر بقائه البيولوجي، وصوم لساني عن اللغط من الحديث، لابد لعقلي أن ينشط ويعمل بجهدٍ مُضاعف؛ كي يُعوض بعض نوبات العمل التي خلت من أعضائها القائمين عليها.

عليه أن يُدرك المغزى من الرسالة، هذا وقت مستقطع من مباراة شاقة طويلة، غريمه فيها هو «نَفسُه»، خصمه التقليدي وعدوه اللدود. تُنافسه في صراعٍ على البقاء، الفوز فيه للأقوى عزيمة والأطول نَفَسًا. فإما أن ينتصر عليها ويسمو بروحه ويسعى بها نحو الكمال، وإما أن يترك لها الغلبة ويُسلمها زمام الأمور؛ فتسحبه تجاه القاع في دركٍ من الظلمات.

وبين هذا وذاك أجدني واجمة، حائرة، تائهة في ظلمة ليلٍ حالك السواد. تتضائل نفسي أمام ناظريَّ، وتخار قوتي فأسقط على قدميّ. أرفع رأسي إلى السماء، واستجمع كفيَّ وأناشد ذي القوة المتين، مَن برأت إليه من حولي وقوتي، ولجأت إلى حوله وقوته.

«إلهي العزيز..

ألجأ إليك لأنني أشعر بالثقل، الكثير من الثقل والضيق

أُناجيك؛ لأنه لا أحد سيُنصت إلي ويفهمني مثلك

ما عاد أحد يُجيد الاستماع لغيره

هم يصوبون أعينهم نحوي، لكن عقولهم تسبح في فلكٍ آخر،

يبدون مُتصلبين أمامي بكامل اهتمامهم، غير أن قلوبهم مُستلقية في سبات عميق،

يستفيقون لاحقًا؛ ليتفوهوا ببعض عبارات تطييب الخاطر الرتيبة المسُجلة في عقلهم الباطن

تُرددها أفواههم لا إراديًا، في كل موقف مُشابه مع أيِ كان،

أدعوك؛ لأن الدعاء يُريحني ويمسح عن كاهلي الضعيف، قدرًا معقولًا من الهموم التي تراكمت عليه،

أدعو؛ لأني لا أعلم شيئا آخر غير الدعاء، بإمكانه انتشال روحي الغارقة في بحر الأشجان».

الدعاء هو إدماني الأول، وطوق نجاتي الذي أحتمي به، في مواجهة أمواج الحياة المتلاطمة. أما عن إدماني الثاني فهو القراءة، لا شيء يستطيع أن ينتشلني من عصف الأفكار في ذهني، واختلاج المشاعر في صدري، وتزاحم الكلمات في فمي، سوى القراءة!

أختار كتابي بعناية، كطبيب شخَّص الداء، وشرع في وصف الدواء. ألتزم بالجرعات المُدرجة في وصفتي الطبية؛ فأبدأ بالمرور في جولةٍ سريعة وسط فهارس ومحتويات كُتُبي، التي هي أدويتي أو قُل مُسكِراتي أو بالأحرى مُخدّراتي المشروعة.

أُقدّر الفترة اللازمة للمواظبة على الدواء، وانتظم في تناوله حتى يُعجّل الله بالشفاء. خلال هذه الفترة أعقد معها صفقة نتبادل فيها المنفعة، أخبرها:

«مُسكِراتي العزيزة..

آمل أن تصحبيني طوال حياتي، وتُعينيني على تجاوز مراحلي الضبابية،

تحتوين أوقات تعاستي وكآباتي، ومشاعري المُتَّخِمة بالتراكمات السلبية،

تقبليني كما أنا، تُحبيني لذاتي، لا لمظهري أو مكانتي أو أيًا من تلك المظاهر الزائلة،

آمل أن أجد فيكِ رفيقًا رَحِب الصدر، واسع الفهم، ليّن الحديث، دقيق الملاحظة،

تُعينيني على أن أكون شخصًا أفضل، وتهديني إلى صوابي، كلما ضللت الطريق،

تستمعين إلى أحاديثي دومًا، بإنصات مُحبٍ لا يَملُّ حتى النهاية،

تُذكّريني بأحلامي التي أدرت لها ظهري، وأهدافي التي تقاعست عن تحقيقها،

فتناسيتها تفاديًا لوخزات ضميرٍ سيُؤنبني، ويُذيقني ويلات شعور مرارة فقدها».

ولها عليَّ المِثل، وأزيد عليه أن أشارك الآخرين ماتعلمته منها، وأعرفهم عليها كي ينالوا من خيرها. تُساعدني القراءة أيضًا على مواجهة إدماني الثالث، إدمان التفكير!

«إنني مُصاب بحُمَّى التفكير، أفكر في ما حدث، وما سيحدث، وما قد يحدث. أفكر في الأشياء التي لن تحدث، وماذا سيحدث لو حدثت فعلًا». دوستويفسكي

بالتأكيد أملك العديد من العادات الأخرى، التي تغلغلت بداخلي وصارت إدمانًا غير هذه الألوان الثلاث. يقولون في علم النفس إذا أردت أن تتخلص من عادة سيئة، فإن أفضل طريقة هي استبدالها بأخرى جيدة. ربما الغرض من قدوم شهر رمضان في كل عام، هو أن نحاول كل مرة اقتلاع عاداتنا الخبيثة من جذورها، وزراعة بذور طيبة تحل مكانها.

وفي كل مرة تنبت فيها البذور، سينبت معها حشائش ضارة، ستُعيق طريقنا وتُصعب الجهاد علينا، ولكننا بالنهاية بشر ولسنا ملائكة، الخطأ من طبيعتنا والعصمة ليست من شيمتنا. ربما علينا فقط اعتناق طبيعتنا تلك، ومصالحة أنفسنا، مواصلين الاستمرار في المحاولة، دون أن نفقد الأمل في التغيير، وكما يُقال «الكنز في الرحلة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك