لو أنّ لفظة آسف تُجدي نفعًا، لما كان هناك مبرر لوجود مراكز الشرطة ومكاتب المحاماة. فحين تُستغل تلك اللفظة الدالة على رُقي أخلاق قائلها عند ارتكابه خطأً غير مقصود بحق غيره تُستغل لإحداث مزيد من الألم وكثير من الجرح لدى الآخر عندها تعتبر خطيئة أكبر من الخطأ الذي قيلت لإصلاحه.

بذلك نجد أنها بالمفهوم والمقصد الآخر تعني أن يتهيأ المرء لإلحاق الضرر بالغير طالما أن لديه المقدرة على الأسف وإنهاء الأمر حسب توقعاته، لكن عليه أن يُدرك أيضًا أن الطرف الواقع عليه الضرر لديه القدرة على عدم قبول اعتذاره؛ لذا من الأفضل مراعاة الآخرين وعدم اقتصادهم بالأذى حتى يُصبح الاعتذار مقبولًا.

قد يتقبل المرء الأسف ويصفح الصفح الجميل إن رأى عدم القصد في الأذية من قبل الطرف صاحب الضرر، لكن تكرار الأمر يترك في النفس انطباعًا سيئًا ومؤلمًا في ذات الوقت الأمر الذي تتعقد معه الأمور وتصبح صعبة على العفو والاعتذار فيبدأ منحنى المشاكل بالظهور وتسمو الضغينة والتصيد وتتشكل موجات مضطربة داخل بركة العلاقات الهادئة.

فكما هو مطلوب من المتضرر الصفح والمسامحة لقوله تعالى في سورة الحجر: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) وأن يكظم غيظه وله في ذلك عظيم الأجر لقوله تعالى في سورة البقرة: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، مطلوب من صاحب الضرر بدرجة أولى أن يُراعي غيره وألاّ يكون سببًا في أذيته لقوله تعالى في سورة الأحزاب (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).

كثيرة هي العلاقات التي سجلت نهايتها بعد استهتار واستخفاف أحد الطرفين من الآخر بقولٍ أو عمل وتركت جرحًا غائرًا يصعبُ على الزمان أن يتكفل به ويمحيه، بالرغم من أن بعضهم من النوع الذي لا تستهويه العلاقات لكنه يحاول الخروج عن مألوف ذاته ليتمرد عليها ويُقيم صداقات فتكون الصدمة حين يغدر به من كسر قاعدة حياته من أجله وحينها حدثني عن الصداقة، يقول صادق الرفاعي: «واعلم أن أرفع منازل الصداقة منزلتان: الصبر على الصديق حين يغلبه طبعه فيسئ إليك، ثم صبرك على هذا الصبر حين تُغالب طبعك لكيلا تُسيء إليه» وفي كلا الحالتين جهاد ومغالبة وألم.

الألم والضرر الواقع على الواحد منا من المقربين لهو أشد وأقسى، لكن ما يزيد القسوة قسوة هو أن تجد ذاك الصديق غير مدرك لخطئه بل ويدافع عن نفسه ثم يختم الأمر بقوله: «آسف» وكأن الأمر قد تم معالجته وما عاد هناك خلاف وسلّم لي على مشاعرك وكسرة قلبك والألم الذي حصلت عليه.

الذي يحدثُ هنا واحد من اثنين باعتباره رد فعل للأذية والألم إما أن يعزُ على المتضرر صديقه فينتحي جانبًا برفقة ألمه ويذكُرني هناك مقولة برناردشو محذرًا صاحب الضرر: «عليك الحذر من الذي لم ينتقم فهو لم يسامحك.. ولا يسمح لك أن تسامح نفسك»، وإما أن يصد الصديق صديقه وتتشكل حلبة الصراع ولا يُقصر الطرفان في العداوة.

لذا دعني أخبرك صديقي بأمرٍ هام في حال فكرت في أن تُلحِق بيَ الضرر وأن تنضم لقائمة لا أريدك أن تنضم إليها، أرجوك.. أرجوك وقتها لا تتأسف، دع صورتك جميلة في قلبي ولا تؤذني مرتين فإن لم أمت من الأولى فأنا حتمًا سأموت في الثانية.

ً«آسف»، «أنا آسف»، «كلي أسف»، «أعتذر»، «تقبل اعتذاري» كلها مصطلحات ليس بمقدورها إصلاح المشاكل وفي كثير من الأحيان هي المشكلة ذاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد