الصمت يخيم على المكان، لا أحد يتصدر المشهد سوى شبح الموت، ما إن تطأ أقدامك تلك الأرض الموحشة حتى ينقبض قلبك وتسرع في تخيل نهايتك، فهي الحقيقة المطلقة والنهاية الموحدة، والمصير الذي لا فرار منه.

الكل يذهب لتوديع أحد أحبابه وتركه إلى مثواه الأخير في مراسم حزينة يسودها النحيب والحزن والبكاء والدعوات للفقيد، في مشهد مهيب لا لون فيه سوى الأسود، ومع رحيل الجميع وانتهاء الجنازة، تعود القبور لسكونها وهدوئها الكئيب إلى حين استقبال مقيم جديد يأتي ومعه مشيعيه الذين يتركونه وحيدًا ويعدون لديارهم مرة أخرى، وهكذا هي سنة الحياة.

تجمعت العائلة من كل حدب وصوب كل يهرول من أجل تشييع جثمان فقيدها وإلقاء نظرة الوداع قبل أن يواريه الثرى، لحظة لن تتكرر يحتاج كل أفراد الأسرة إلى التفرد في لحظاتهم الخاصة الأخيرة. يقتحم صفوف الجنازة بعض المرتزقة ممن يكتسبون أرزاقهم في هذا الوقت العصيب، ودون أدنى احترام لقدسية الجنازة أو مراعاة  لمشاعر الصغار الذين تركهم أبوهم وحدهم في مواجهة فجائع الدنيا دون حماية، يصطدمون بأول موقف لهم فوق قبر والدهم ، حين يأتي إليهم البلطجية والمتسولين يسألونهم عن المال، ولا يعرفون كيف يتصرفون أيعطونهم ويتجاوبون معهم دون مراعاة لحساسية الموقف أم يصدونهم، ولا يأمنون عاقبة ذلك التصرف فلا أمان لهم في وحدتهم مع غياب الأب الذي كان يصد عنهم أهوال العالم الخارجي.

يأتي العيد وفرحة البعض منقوصة لفراق أحبابهم، فيقررون الذهاب لزيارة ميتهم في قبره، بما يضيف للمشهد الساكن بعض الحركة المؤقتة، تأتي تلك الأسر لقراءة بعض الآيات وتذكر بعض اللحظات والذكريات.

تلمع في عينها دمعة إثر تذكرها والدها الراحل، مر في ذاكرتها كل اللحظات التي جمعتهما سويا من فرح وحزن، تناجيه وتدعو له، تحتاج إلى لحظة خاصة تنفرد فيها بالحديث مع والدها في مرقده دون تطفل من الغرباء، فهل كان يجسر أحدهم على مقاطعة حوارهما  في حياته!

يدخل إلى (الحوش) بعض المرتزقة ممن يلحنون الأدعية والآيات الكريمات ويخطئون فيها ويحرفونها عن جهل منهم!

سيدات يغسلن الأطباق وأخر يطهين الطعام وهنا أغنام ودواجن، وهناك المستلقون ممن يبحثون عن راحة البال في هذا السكون بعيدًا عن جلبة وازدحام المدينة.

عائلات توطنت في القبور لا تجد لها منزلا سواها، تعيش مشردة بعيدة عن الخدمات، نفسيات محطمة لا ترى سوى الأموات، كيف لها أن تقضي ليلها في هذا الظلام المرعب.

فتيات وصبية صغار يلهون ويلعبون في ذلك المكان المخيف، لا يعبأون بمعنى الموت ولا يخافون من وحشة القبور، يجرون هنا وهناك في محاولة منهم لإضفاء روح الحياة على الأرض الميتة، يختلط صوت ضحكمهم ولعبهم مع صوت صراخ أسر الميتين في مزيج سريالي لا تفسير له سوى أن القبور ليست حكرًا على الأموات، إنما هي موطن ومأوى للأحياء أيضًا.

ومع انتهاء الزيارة وبدء رحلة العودة إلى المنزل، مع نظرة عابرة على المكان ينقبض قلب الناظر، تحرقًا على الراقدين، وتحسرًا على حالة المكان المزرية والمنظر المشوه الذي صارت إليه دار الحق، فأصبحت مقلبًا للقمامة، ومرتعًا للحيوانات النافقة، وساحة لإلقاء مخلفات البناء… وكل ما هو لا حاجة لنا به، كأن القبور والدفن لم يعد تكريمًا للميت، بل إننا نلقيه كما نلقي المخلفات التي لا أهمية منها!

ولم نكتف فقط بتشويه الشكل وتدنيس القبور بالقمامة والسُكنى فيها، إنما بلغ حد انتهاك حرمة القبور إلى نبشها وسرقة بعض من  محتوياتها والتمتع جنسيًا بحثث الموتى، بالإضافة إلى اتخاذها وكرًا من قبل البلطجية واللصوص ومتعاطي المخدرات.

معذرة إلى أنفسنا، فبأيدينا نشوه كل شيء، ونهدم كل ما كنا نحترمه، معذرة إلى موتانا، فلم نحترمكم أحياءً ولا أمواتًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القبور
عرض التعليقات
تحميل المزيد