اللتان كفيلتان لإقدامك على الانتحار بسند الجمال، وهذا ليس من بروز ظواهِره المدعوم بمساحيق مُختلفة على الوجه الرشيق الذي تأتي عليه الكاميرات أو النظرات، ولكن الجمال الباطني العاكف بفواح الروح. إذ أبدأ يا أعزائي بلسان فراشة الأدب، إذ تقول مي: «أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي وأدواتي وكتبي، ودراساتي وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المثل الأعلى، وهذه الحياة (الأيدياليزم) أي المثالية التي حييتها جعلتني أجهل ما في هذا البشر من دسائس»، وعلى ذِكر الدسائس وزيف الخلائق هذه سُعاد التي قتلها الجميع من صفوة المُجتمع وبروز تعاليه فى تقديم مناحي الجسد على مناحي الروح! إذ تقول هذه السندريلا: «لم يكُن هناك أحد من المحيط للخليج لا يُريد جسد سعاد الذي باعوه بالرخيص».

أجمع الجميع عليهما بكُل مواطِن الجمال ومختلف المحاسِن من الثناء وبأذون الرغبة في الامتلاك، حيث كان مجلس مي يتوافد عليه الحضور الباكِر عميد الأدب طه حسين ليُبرز تحية وداع كآخر زائر يذهب من المجلس، فضلًا عن عمالقة العصر والحضر في الشُهرة من الكتاب والأدباء خلال صالون مي الذي كان يُعقد كل ثلاثاء، يعلو فيه عِشق الحضور لها بأنين خفي، حتى صرح بنفسه من بعد أن طال إعجابه المتواري شيئًا بها، شيخ الأزهر «مصطفى عبد الرازق» الذي كان بدوره العفيف مُترددًا على صالونها الموثوق بها. إذ يقول في مراسلة لها من المراسلات الثلاث: «وإني أحب باريس، إن فيها شبابي وأملي، ومع ذلك فإني أتعجل العودة إلى القاهرة، يظهر أن في القاهرة ما هو أحب إلي من الشباب والأمل»، وما مِن أحدٍ أيضًا نحاه قلبه بعيدًا عن مُطالعة روح سُعاد، فكُل من عرفها ولم يعرفها إلا بقربه من متابعته للشاشة قد أقر على أن تِلك الذى حُكم عليها بالقتل مفتاح لقرائِن فتاة الأحلام المُهداة من قِبل أمانٍ وخيال.

آلفتُ سُعاد رغم ما قيل عنها، ورغم أني لم أشاهِد إلا طفرات لا تُذكر من شاشة التلفاز لها، رُبما لأني لا أريد أن أتوجه لها من سوء العاقبة للحُزن عليها، ولا أريدُ أن أصدق بأعاصير قلبي أن هذا النبع الخالص لروحها قد تم تسميمة في استغلال مُخابراتي لمجتمع لم يعرف بعد لمجدٍ سعيد غير المكر والابتزاز القائم بمهامه رجال النفوذ والشذرات المُرتكبة من المُقربين بحكم أعمالهم الجلية معها، والتي لا تُغفر سقطاتهم من كُتمانِهم للحقيقة بالتأكيد، فجميع من حولها من فنانين فرز أول وثان تعامل معها كأرشيف يُستطلع عليه حين انتباه الذاكرة لأمر ذكرى ماضية، أو حين الاحتفال المدعو باسمها من إلقاء مهرجان ما بمجاورة اسمه لاسمها إهداء لمُجمل أعمالها التي لم تنته بعد من ذلك الحين.

شاهدتها في صوتها وهي تجاري أعاجيب صلاح جاهين، وساهمتني بأعماق المحبة والتقدير رغم ما قيل وما سيقال عليها إلى أمد ما، حتى تتراخى الحقيقة من الخمول العجيب من أمر انتحارها، ويُسدل عنها السِتار ليعلم الجميع أن المجتمع سام، وقد دس ببراثِن سمومه في جميع أعضائها، حتى أصابها باكتئاب لا يُسترجع مداد نموه إلا في تقارير حالتها النفسية خلال مكوثها في إحدى المصحات النفسية بلندن، وتحت إشراف الطبيب المصري الذي تابعها في أواخر حياتها عاصم عبد الصمد.

أما عن فراشة الأدب، فلم أتحسس قدومًا يُذكر أيضًا لمجابهة سحر كلماتها المكنونة بمعان لا تُحصى ولا تذر، لمشابهتها لمنطق حياة السندريلا، فقد جمعهما ما لا يحِق أن يجتمع في حياتهما، فكان الاكتئاب المطفئ لمناخ السعادة الفردية ينشط في أوقات وحدتهما وعزولهما عن كل ضوء واجتماع. فضلًا عن أكله لزهو أرواحِهما النفيسة بالخيلاء المُطلع عن غيرهما في اعتقاد من كان يُجاورهُما عن قريب.

فالفراشة تتبعها الاكتئاب حتى أسقط جنحيها المزدري بزهاء الوجود، بعد وفاة والديها ومعشوقها الذي لم تحصل عليه المدعو بجبران خليل جبران خلال مُراسلتهما الخطية بالقلم بعضهما لبعض على مدار 19 عامًا، والذي بالتأكيد تنتمي هذه الرسائل لأدب المُراسلات الخالد، ورغم كُل هذا الزخم والخضم من مُراسلات الحُب، فإن جميعها قد قامت بالحيلولة تجاههما في رؤية بعضِهما بعضًا.

وما وُفيت الفراشة بجنينة زهور تحميها من كُل وبور، فقد رتب لها أقاربها أشر المكائِد بعد أن وضعوها في مصحة عقلية لشدة حُزنها على فراق شاعِر المهجر جبران بموته الذي كان غطاء لربيع حياتها، حتى لقيت الشرور من الجميع خلال تبايُن دسائسهم حتى حوصِر بها الفصام في أواخِر حياتها، ولم يحضر جنازتها إلا ثلاثة من الأدباء الموفين غير العديد، وكأنها أصبحت نسيًا منسيًّا.

وما أخفي عليك لمشابهة ذلك لأمر روح سُعاد التي امتازت بشعلة وامضة في أواخِر حياتها من معقل اكتئاب قد سجنها 15 عامًا، قبل لزوم البُعد والتنحي عن شباك التذاكِر في تِلك الأوقات التي كانت سماء الفن تصدح بها دون غيرها. فقد بدأ مُؤشِر صعود الاكتئاب المُزمن في حياتها بعد موت صلاح جاهين، المُنتصرة برباعياته لإدانه الوجود الممشوق بنفاق دون ريب، وقد أضرها متاع ظواهر الوجه الذي أصبح في عول شلل بسيط كانت قد حزمت من أجله لرحلة علاج زادت من وزنها غير المرغوب، والذي يسبب لظهورها به مقتًا شديدًا، حتى ابتعدت عن كل ليل يُريد لنجومها أن تسطِع في صحن السماء، في عُزلة من العلاج الطويل. وما قد عبر كُل هذا من يُمنى من الله من قِبلها معقود بدعاء وأمل حتى ارتادت لعافيتها وحسِمت أمر الرجوع إلى مصر لاستعادة نجومها المعهودة، حتى ابتدرت سماؤنا نحنُ بمحو ليلها قبل أن يجيء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد