تذكر معي، متى عشت أكثر المواقف توترًا في حياتك؟ تلك اللحظات التي تمنيت لو تكون لديك قدرة سحرية على الاختفاء أو التحول إلى كائن شفاف. مقابلة عمل، امتحان، مناقشة رسالة ماجستير أو دكتوراه أمام لجنة من الأساتذة والدكاترة، لحظة الإفصاح عن مشاعرك للـ«crush» أو أي من الأحداث المحورية في حياتك.

لا تتفاجأ حين أخبرك أننا جميعنا مررنا بتلك اللحظات شديدة الحرج في حياتنا، بأعراضها المتشابهة: دقات القلب المتسارعة، عدم انتظام التنفس، جفاف الحلق، المغص…كلها اتحدت لتهديك حالة من التوتر والقلق والهذيان غير قابلة للنسيان. وفي خضم تلك الحالة العجيبة تتواتر الأسئلة الوجودية إلى ذهنك: ماذا تفعل؟ إلام ستؤول إليه الأمور؟هل ستتجاوز الامتحان؟ما موقفك أمام اللجنة؟ ثم ينتهي بك الحال لتطرح السؤال الأهم: لم يُصَعِّبُ عَلَيَّ جسدي الأمور بقدر صعوبتها فعلًا؟

مهلًا، لننظر إلى الأمر نظرة مختلفة. قد نكون ببساطة غير قادرين على إيجاد إجابة شافية عن سؤال: لِمَ يخذلني جسدي في كل مرة أحتاج أن أكون فيها على شيء من الصلابة والاتزان؟ لأننا ببساطة ننظر إلى أنفسنا اليوم. وجودنا، كياننا اليوم. أفعالنا وأفكارنا اليوم، مشاغلنا وقضايانا اليوم. وطرق تفاعلنا مع الأمور اليوم.

اليوم بعد أن تجذرت الحضارات وبُنيت المجتمعات وتأسست النظم ووُضعت القوانين وحُددت المسؤوليات. وابتكرنا نحن البشر بمحض إرادتنا الحرة الامتحانات والمقابلات المهنية، ودرجات النجاح والإيميلات(…). وأسسنا لأنفسنا علاقات حب وقرابة وصداقة وزمالة وتنافس وعداء.

وعليه، نحن نظن بعد كل الذي ذكرنا أنه من الممكن أن نتفهم ردود الفعل «الغريبة» التي نعيشها ونستوعب إلى حد ما حالات الخوف، التوتر، الرهبة، الضياع ربما النشوة. لكننا نظل على شفا سطحنة الأمور، ما لم نجرؤ على اختراقها وسبر أغوارها، وحتى التَّوَهَان فيها. إذ كلما تُهنا اكتشفنا ما لم نفكر في اكتشافه يومًا.

لِنَمْتَطِي عزيزي القارئ مركبة الزمن، ولنعد إلى سالف الأزمان وغابر السنين، إلى الأجداد. لنرى كيف كانوا يتعاملون مع مخاوفهم؟ كيف تفاعلوا مع تحدياتهم ؟مهلًا؛ فيم تتمثل هذه المخاوف؟ مؤكد لن تكون مقابلة عمل أو اختبار أو اعتراف حب، على الأرجح ستكون رحلة بحث عن غذاء، مسكن آمن ولباس يقيهم قسوة الطبيعة، اختراع سلاح يضمنون به البقاء، موطئ قدم.

القضية مختلفة نعم، يخلقها الزمان والمكان، وتنحتها الجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا وعوامل أخرى. لكن الجسد هو هو، باق على حاله: يتلعثم في مناقشة الماجستير، ويتصبب عرقًا عند إلقائه لخطاب. ويتوتر عندما يقرر الزواج أو الانفصال. وهو نفسه من كان يعيش في الجبال والصحراء. يتبع الكلأ ويواجه قطاع الطرق. ويتقاتل مع الذئاب والضباع أو يهرب منها. هي البنية الجسدية ذاتها والتركيبة النفسية نفسها: الغدد التي تفرز هرمون الأدرينالين والكورتيزون. لتذهب إلى القلب، فتزيد دقاته ويزيد ضخه للدم. فيصل بطريقة أفضل للأنسجة. تتسارع عملية التنفس، يتزايد إفراز السكر في الجسم.

هذا الجسم في حالة حرب. تتعاضد كل الأعضاء لتساعده إما على المواجهة وإما الهروب. ومن المنطق هنا أن يكون الذهن على قدر مهم من التركيز والانتباه. ودخول أي عامل مشتت لهذا التركيز غير مسموح إلى أن تنتهي الحرب. بهذا المعنى، ما مبرر أن يفكر أسلافنا بالمستقبل مثلًا ووجودهم الحاضر على المحك؟ إذ إن المهم هنا هو التركيز على ضمان النجاة أو الخروج بأخف الأضرار. ونحن نعتقد أنهم نجحوا في ذلك إلى حد ما، بدليل وجودنا نحن اليوم. لذلك ما مبرر أن تترك الخوف يسيطر عليك في أقوى المواقف وأهمها بينما تستطيع أن تحوله إلى مادة محفزة لك لتبذل أفضل ما عندك وتحرز الهدف الذي من أجله خضت تلك التجربة أو ذلك الموقف؟

تغيرات الجسم تلك إذن كانت مشروعة، صديقة بل يمكن عدها الضامن الأول للبقاء، بقائهم وبقائنا. لولاها – وهي تبدو في الظاهر مستفزة لعينة – لما تمكنا من التقدم، التخطي، التجاوز.

والظروف تختلف، نعم ، الأحداث والمواقف لذلك اطمئن لن تقابل أمامك – اليوم – أسدًا مثلًا كالذي تصارع معه أجدادك إلا في حديقة الحيوان. هزيلًا متعبًا جاحظ العينين. لكنك سترى ذئابًا وضباعًا كثيرة وستسمع عواء يملأ العالم. فلا تخف ولا تتوتر، بل تمهل وتريث واستعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد