حين يكون حديث النفس مؤلمًا

جدارٌ عال يقسم داخلك، كل شطر على حدة يجهل الآخر، بالرغم من أن جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا يجمعهما، بل كليهما مغترب بطريقته التي اعتاد عليها واستلبت منه الكثير دون رجعة، فأولهما سار على درب الصمت؛ ثم الكبت، ورأى نفسه واقفًا على حافة الهاوية، غير أن وقت الانفجار لم يحن بعد. ‎والآخر يموج به فيضان من الآمال والأحلام حتى وإن لم يتحقق منها حتى القليل، باحثًا عن بصيص من الضوء. كلاهما افتقد الكثير، وبدا أنهما غريبان، فالأقنعة حلت محل الوجوه لأجل غير مسمى، نسينا ملامحها أو تناسيناها فهي لم تعد تعني أحدًا، وإن بكت العينان فالدموع منتهيه الصلاحية لا يلتفت إليها أحد.. ‎عجبًا لهذه الوحشة الدفينة داخلنا، لا نستطيع البوح بها، أنينها يرفض السكون الذي يلف المكان بقسوة، هل هي لعنة تراكمات مما سبق وفات؟ أم هي حسرة على ما نمر به الآن؟ كفاجعة الموت تأتي دون سابق ميعاد، تنهش فيما تبقى لنا.. تقبضنا ثم تسكن ثانية إلى حيث أتت، هنا يعجز اللسان عن الحكي. ‎قصيرة هي السطور للاستيعاب، مفتور القلب هو ساكن، ربما تكون تلك المرة هي الأخيرة، رفقًا بحاله فهو الآخر أرق من رفض زياراتها المتتالية فقد بات مستباحًا. ‎

البحث عن السبب

ماذا حدث؟ تشعر أحيانًا أنك عدو لنفسك، تزمجر داخلك عاصفه من المشاعر كأنها وقفة احتجاجيه، تصبح أنت القوة وضعفها، الوحدة وأنسها، فالقسوة أخذت كامل شدتها، والروح انطوت على نفسها، فقدت هويتها، بلغت أرذل عمرها وهي في ريعان شبابها، كلما تأقلمت اشتد الوضع حده، فالسكين لم يعد اشتياقًا، بل صار احتياجا. ‎ثم بكل صدق تكذب على نفسك وعلى الآخر مدعيًا أنك بخير، وعلى ما يرام، وسط هذا الزحام يستعمر الكُره جزءًا منك تلو الآخر حتى تصل للحد الذي تكره فيه ذاتك، ولا تحتمل الوقوف أمام مرآة، يعبس وجهك عند رؤية تفاصيلك فالداخل يطفو على ملامحك، والروح حائرة بين فطرتها ووضعها الراهن متسائلة.. أما زلت حية؟ ‎حتى ما تسمعه وتتلقاه من مجاملات يندرج تحت بند الشفقة والرحمة، لم تعد واثقًا فيمن حولك، فهم لم يخوضوا ما مر بك من تجارب وأحداث، وأنت كل ما كنت ترفضه وتستنكره صرت تفكر في القيام به حتى أصبحت مثلهم، بل تكاد تكون رائدهم. ‎أمام كل هذه التناقضات يقف كبرياؤك أمامك كالطفل العاق يمنعك، رافضًا حتى بكاءك، متجاهلًا هو ضعفك وهوانك على كل من حولك، والقلب عالق مسكين بين بركان الآهات آسفًا، هو اعتاد الحسرات من أقرب المقربين، منكسرًا أمام كل ما ينهال عليه من لعنات، آلامه لا تُرى بالعين المجردة، وبالرغم من ذلك يقر بأنه ما زال على قيد الحياة. ‎ولكن أي حياة تحياها و‎روحك جرداء لم يحن وقت ارتوائها بعد.. مدعية هي الصمود والثبات تتهافت عطشًا سائلة متى يحين وقت ارتوائي، هي على وشك التعري من كل قناع مزيف استنزفها.

كيف يتعامل من حولك مع حالتك

لا أحد يشعر، فالجميع اعتاد على أنها تستطيع مسايرة هذه الوقائع التافهة الهامشية التي يستغرق فيها الكل، وكأنها صارت ملكًا وحقًا مكتسبًا لكل قريب وغريب، مع أنها لم تعد صالحة لممارسة العادات اليومية البسيطة، لمتطلبات الحياة المعتادة، أنهكت.. لا توجد مساحة داخلها أصبحت تميل للوحدة والصمت على غير عادتها وعلى غير ما اعتاد عليه الآخرون منها، وما يزيد الحزن حزنًا تجاهل هؤلاء الآخرين لها.. هي التي كانت ملاذًا لهم، وهو ما كان يقويها في مواجهة الانهيار، لم تكن ملك نفسها، بل ملكية عامة معدومة الحقوق مكلفه بالواجبات ومكبلة بها على الدوام. ‎افتقدت ذاتك.. ووأدت الوجوه في مقابر الأقنعة التي صارت بديلًا لها، دفنت، لا أحد يراها، لا أحد يسمعها، استعمرت جسدك الآهات الصامتة، وأصبحت كالمغترب المفقود هلك عمره باحثًا عن حياة ليحيا فيها، ليجدها مشوهة مليئة بالذكريات التي تطاردك كالكابوس، وتلك المواقف كنت تتوهم أنها مرت مرور الكرام، ولكنها باقية تحفر آثارها بنصل السكين فلا تنمحي. ‎تشتاق لكل ما هو بسيط ممتع يجلب لك السعادة، فالآن مهما بذلت مجهودًا، هناك دائمًا شيء مفقود، أهو عدم رضا؟ أم حنين للماضي، تنتظر أي حدث لتغيير ما أنت عليه الآن متجاهلًا أن الأهم هي الروح التي ستعيش الحدث السعيد كان أو الحزين. ‎مع كل شروق تستجمع قواك لتبدأ بداية جديدة متفائلًا حالما بالحرية والتخلص من كل ما هو مستعمرك سجين داخلك، ولكن الحقيقة تطاردك وتذكرك دائمًا بأنك تائه.

كيف تواجه نفسك

تتساءل من أنا؟ كيف أستطيع أن أعبر عني، لم أعد قادرًا على الحكايات، عجزت عن تفسير التناقضات، هل بوسعي الاستمرار بهذا الوضع، ضعيف أنا رغم كل ما أمر به الآن في انتظار دقه ساعة الصفر، لحظه الانهيار. ‎خروج كل ما تشعر به دفعة واحدة، ولكنك تخاف من تفاصيل هذا الانهيار المؤجل وتوابعه، لا تعرف كيف تجيد صياغته، هل سيلاقي تقدير وإحساس مِن هم حولك، أم سيرون أنك مبالغ مصطنع تتقمص دور الضحية، هل ستستطيع الوقوف من جديد أم سيغلبك ضعفك وهوان نفسك عليك، ماذا بداخلك، تتوسل إلى نفسك لتسمع إجابة تكن عونًا لك في محنتك، ممنوع أنت من البكاء حتى سرًا، أهو كبرياء ملعون، هل أنت ضعيف أم قوي فالحالتين دلائل كثيرة عندك، هل أنت على حق! ‎متى تستطيع مواجهة أي طارئ والتصدي لأية هزة، فأنت ترفض طلب العون، عظيم في عين نفسك لما مررت به ويجهل به كل من حولك، أنت الضعيف المتسائل كيف أتقنت كل هذا الثبات رغم كل هذه الضغوط! ‎ضاقت الدنيا عليك تراها مظلمة، لم تستطع المضي في الحيل باحتراف كما كنت من قبل، حين يأتي الظلام يدور بينك وبينه حوار من طرف واحد تسبح في ملكوته وحيدًا، تشابهت الأيام لا يوجد فرق بين صباح وآخر، روتين وجفاء وغربة يطرقون بابك كل نهار، ولم يعد لديك طاقة لصدهم ولا التأقلم معهم، قلبك لم يعد يشبهك وربما تكون أنت الذي صرت غريبا عنه، كَمّ من الأسئلة تجهل لها إجابة، وتخاف البحث عنها، فلم تعد واثقًا من ثباتك بعد.

المخاوف تسيطر على النفس

تخشى حتى المستقبل متسائلًا ماذا يحمله لك، أرهقك التفكير، تهاب كل ما هو آت، تؤمن أن هذا السؤال ليس من شأنك ويجب أن تدع كل شيء للخالق، ولكن أصابتك فوبيا الفقدان، تخشى الفراق، مؤلم ما بداخلك والأكثر إيلامًا أنه لأرجاء، هل اعتادت روحك الآلام حتى أنستها، وأصبح هذا هو المعتاد وكأن شيئًا لم يكن! ‎كلٌ منا يرى القضية من وجهة نظره، منهم من يرى أن الحياة أكذوبة فانية ليس بها عزيز أو غال، فعند الرحيل عن دنيانا نكفنه ونواريه التراب، نعطي له ظهورنا وتمضي دورة الحياة بكل ما فيها من توافه غير عابئين وكأن شيئًا لم يكن، كأن ورقة جافة سقطت من شجرة عجوز. ‎ومنهم يحب أن يعتلي منصة القضاء ليصدر أحكامه على الآخرين بدون شهود أو أدلة، مولع بالوعظ وتوزيع النصائح على كل من يتصادف وجودهم في طريقه، ويري المشهد من خارجه من عَل، دون أن يلم بتفاصيله ولعناته التي تصيب من بعاني ويلاته. ‎عجيبة هي الدنيا، بها كَمّ من التناقضات يعجز عن تفسيرها الكثيرون. ‎

‎يقول أحدهم: إن شر ما في النفس البشرية هي أن تعتاد الفضل من صاحب الفضل فلا تعود تراه فضلًا. نتيجة مخزيه لما أنت عليه الآن. ‎أنت الذي أسأت، أخطأت في حق ذاتك، نفسك هي الأولى باعتذارك، أعلنت وبحت وتكلمت وراسلت واستخدمت كافة طرق الاتصال المباشر منها وغير المباشر، لكن ما الجدوى، لا شيء، تفوقت في لغة الصمت، تماديت فيها حتى جهلت كيف تبوح من فرط الكتمان. ‎اعتمدت على نفسك وحمّلتها فوق طاقتها طاقات حتى ملّت نفسك من نفسها، لم تعد تتحمل المزيد فتخونك هي الأخرى وتتخلى عنك.

حذارِ من فراغ الرصيد

‎أنت المباح وحقك صار مهدورًا مستباحًا. ‎أصبحت أول المهمشين، بل أنت الهامش نفسه. ‎يلقونك بالباطل، يتهمونك بما ليس فيك، وهم أعلم الناس بحقيقة نقائك وسلامة طويتك، يسمونك جالب الحزن، ومصدر الهم، ولأنهم ضامنين وجودك فلا يقلقهم همّ بقاؤك، بل أي بقاء يتوهمون، بقاء الجسد مع غياب الروح! حقًا هم لا يفقهون شيئًا عن البقاء. ‎ضمان بقائك نفسه هو سبب زهدك.. حقًا إنه الحزن نفسه عندما نقر بذلك، فالجميع لا يقدرون الحب ولا المحبين إلا بعد الفراق والغياب أو الموت الذي هو بطل كل النهايات. ‎حان وقت الحساب، فرغ الرصيد، انفض عنك الجميع، تخليت أنت عن نفسك في سبيل إسعاد الآخر ونيل رضاه، فلا من عاقل يرفض فرصه مثل هذه، حاسب نفسك قبل محاسبه الغير، أنت سبب البداية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد