تتحدث أسطورة رابونزل Rapunzel عن مرض والدة البنت رابونزل – قبل ولادتها – مرضًا شديدًا؛ فاضطر زوجها لخطف زهرة لعلاجها من عند الساحرة العجوز غوتل التي غضبت غضبًا شديدًا، وأصرت على خطف البنت رابونزل، وحبستها في برج منيع، لكي تستمر الساحرة في شبابها. ومنعت الساحرة خروج رابونزل من القصر منعًا باتًا. وكانت رابونزل سعيدة، ولم تحاول الهرب من برج الساحرة.

وكانت رابونزل ما برحت ترى أنوارًا كل عام ولم تعلم أن هذه الأنوار هي أنوار يطلقها والديْها الأميريْن من القصر كل عام في تاريخ ميلاد ابنتهما رابونزل. وكان لرابونزل شعر ذهبي طويل وله قدرات خارقة؛ ولهذا تشبثت الساحرة بمنع رابونزل من مغادرة برجها الحصين. وروادتْ رابونزل فكرة النزول من البرج الحصين مرات كثيرة لكي تتعرف على سر هذه الأنوار.

وقد رأينا تجسيدًا لهذه الأسطورة في فيلم الإنمي متشابك Tangled، والذي أخرجه المخرج الأمريكي ناثان جرينو 1972، وتأليف المؤلف والمنتج والمخرج الأمريكي دان فوجلمان 1976.

وفكرتْ رابونزل كثيرًا حول ماهية أحاسيسها ومشاعرها عندما تخرج من البرج لأول مرة في حياتها بعد قضاء ثمانية عشر عاما فيه وتتعرف على الدنيا وسر هذه الأنوار؛ وهذا ما رأيناه أيضاً في الفيلم الإنيمي «روح Soul» والذي عرض في الولايات المتحدة الأمريكية في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2020 الماضي عندما وصل جو جاردنر (صوت الممثل جيمي فوكس 1967)، بطل الفيلم، إلى تحقيق حلمه بأن يعمل عازفا للبيانو في فرقة الفنانة دورثيا ويليامز (صوت الممثلة أنجيلا باسيت 1976).

تقابل جو جاردنر مع دورثيا ويليامز أشهر عازفة ساكسفون واتفقت معه على أن يعزف في فرقتها في نادي «هالف نوت»، وخرج من عندها وعاد إلى بيته والفرحة تقفز وتحلق به في سماوات بعد سماوات. وسار وهو هائم على وجهه وما برح أن يصدق ما وصل إليه في تحقيق حلمه، وبينما هو يحلق بفكره في حلمه الوحيد لتحقيق الشهرة والعزف في هذه الفرقة إذا به يسقط في بالوعة ويفقد الوعي ويُذهب به إلى الإسعاف في وحدة الرعاية المركزة بالمستشفى.

وحالما غاب عن الوعي، إذا بمخرج الفيلم بيتي دوكتر 1968 ينتقل بنا إلى عالم الأرواح، ونجد جو يسير في طابور سماوي طويل مع عدد مهول من الأرواح السائرة إلى عالم الموت، فيفاجئ بذلك ويعود القهقرى إلى الخلف وهو ما فتئ يهتف «أنا لم أحقق حلمي بعد. لقد بدأت حياتي للتو…». وبينما هو يعود إلى الخلف إذا به يسقط في (عالم أرواح ما قبل الولادة) وفيه تكتسب كل روح الشخصية بمميزاتها وعيوبها التي ستنزل بها إلى جسدها بعد الولادة.

وفي عالم الأرواح، يكتسب جو شخصية المرشد الذي يوجه هذه الأرواح قبل ولادتها مع مرشدين آخرين، ويقع عليه توجيه الروح 22، والتي يمثلها صوت الفنانة تينا فاي 1970. وهذه الروح 22 لا تريد أن تُولد ولا حتى أن ترى عالم البشر، وقد فشل معها مرشدون آخرون كُثر مثل أرواح أبراهام لينكولن، والعالم نيكولاس كوبرنيكوس، ومحمد علي كلاي، والأم تيريزا، وماري أنطوانيت، وغيرهم، لكي يوجهوها التوجيه الذي يجعلها تحب أن تُولد وأن تمر بتجربة الحياة البشرية.

يحاول جو مع 22 لكي تغير مزاجها السوْداوي ونظرتها التشاؤمية للحياة الأرضية. وقد كان جو والروح 22 متناقضيْن؛ ففي الوقت الذي يحب جو الموسيقى وموسيقى الجاز بالذات، نجد الروح 22 تكره الموسيقى أصلًا، وبينما جو يحب الحياة ويريد أن يحقق حلمه في الشهرة والعزف على البيانو عند دورثيا ويليامز، نجد 22 لا تريد أن تنزل إلى حياة البشر على الإطلاق.

وبينما يسير جو مع 22 في عالم الأرواح التائهة أو الضائعة، يجدان المرشد مون ويند (صوت الممثل والإعلامي جراهام نورتون 1963)، والذي أخبر عن نفسه قائلًا: «نحن صوفيون بلا حدود ونستطيع ان نعيد الأرواح التائهة إلى أجسادها». يرسم ويند دائرة على أرض الأرواح التائهة، ويأمر جو أن يتأمل جسده في الرعاية المركزة مع التركيز على صوت البيانو المحبب لقلب جو. يهبط جو ومعه الروح 22 إلى الأرض. يفيق جو من غيبوبته مع تعجب الطاقم الطبي حوله. ولكن تحدث مفارقة حيث نجد أن الروح 22 تنزل إلى جسد جو، بينما روح جو تنزل إلى جسد قطة.

تتحرك الروح 22 بجسد جو بحيوية وانطلاقة في الحياة واكتشاف لكل جديد، بينما جو يسير معها بجسد القطة بإحباط لأنه يريد أن تكون روحه في جسده.

وبينما ينطلقان في شوارع نيويورك يطاردهما ما يسمى «بملك الموت» الذي يبحث عن روح جو المفقودة في عالم الموتى. وأخيرًا يجد جو فيأخذ روحه ليكمل العدد الناقص لديه.

وتقديرًا لنجاح جو في إقناعه للروح 22 بالنزول إلى عالم البشر، تعطي الملائكة الشارة لجو لكي يُمنَح فرصة أخرى للحياة. يحقق جو نجاحه ويعزف مع فرقة دروثيا ويلمز، ويصفق له الجمهور كما كان منتظرًا، ولكن بعد خفوت التصفيق يتساءل: ماذا بعد تحقيق الحلم واحتضان نشوة الهدف المنشود؟

يشعر جو بأنه يوجد لديه شيء ناقص يريد أن يكمله بعد تحقيق الحلم وشغف الانتصار والوصول للذروة. سأل دورثيا: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أجابته: نعود غدًا ونكرر الأمر نفسه. فغر فاه مندهشًا ومتحيرًا ومحبطًا، فقالت: «سمعتُ عن قصة السمكة التي كانت تسبح برفقة سمكة كبيرة وقالتْ لها: أحاول العثور على ذلك الشيء الذي يدعى المحيط، ردتْ السمكة الكبيرة: تسألين عن المحيط؟ إنه ما أنتِ فيه الآن. فردت السمكة الصغيرة «هذا ماء أنا أريد المحيط».

إن فيلم روح «Soul» الذي انتجته شركة الرسوم المتحركة «Pixar» مع شركة ديزني يريد أن يخبرنا بأن الحياة نفسها هي الهدف الذي نسعى إليه فيجب علينا أن نشعر ونستمتع بكل ثانية فيها، وإن السعي وراء تحيقي الأهداف يجعلنا ننسى الحياة ذاتها، وبالتالي نفقد الاستمتاع بها.

ولو رضي جو بوظيفة مدرس موسيقى وراتب ثابت وتأمين طبي ومعاش بعد التقاعد كما بشرته والدته لاستمتع أيضًا بالحياة؛ فالحياة ذاتها هي الشرارة وهي الهدف.

ولو عدنا لأسطورة رابونزل ووجدناها وقد تغيرتْ نهايتها وظلت البنت رابونزل بقية عمرها في هذا البرج المنيع والسجن الحصين لاستمتعت أيضًا بالحياة مهما طال بها الزمن في ذلك السجن لو أرادتْ هي ذلك؛ فمملكة الكون كله داخل القلب.

والروح 22 التي لا تريد أن تنزل إلى الحياة الأرضية والمتشائمة من الحياة ذاتها، توجد داخل أرواح كثيرين منا؛ ممن عبث في أرواحهم التشاؤم من الحياة، أو تعرضوا لأمراض نفسية عاتية، أو انتحروا مهما كانوا يعيشون في حرية وسعة ورغد من العيش؛ فهم مسجونون بأفكارهم التشاؤمية، وبالإحباط المسيطر على نفوسهم، وباليأس من التغيير الذي يتملك أرواحهم، وبالهلع من الحياة، الذي استحكم على قلوبهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد