قرأت ذات مرة قصة عبقرية لأجاثا كريستي تحكي عن ثلاثة أشخاص: رجل دين، ومحام، وطبيب. تقابلوا صدفة في قطار، وأخذوا يتحاكون أثناء الرحلة عن قصة فتاة شغلت الصحافة لفترة.

كانت (فيليسي) في بداية حياتها تعيش في بيت لرعاية الأيتام، وكانت فتاة بطيئة الفهم، لا تتقن فعل شيء، ثم بعد سنوات وجدوها فجأة تتقن الإيطالية والألمانية، ومولعة بالموسيقى. ثم تطور الأمر إلى شخصية ثالثة جريئة، وفاسدة الأخلاق، ورابعة متزنة وحكيمة.

وحينما اختلفوا في تفسير الأمر، استيقظ (الرجل الرابع) الذى كان يرافقهم، وبدأ في الحديث. حكى لهم أنه كان يعرف الفتاة منذ صغرها، وأن من لا يعرف صديقتها (آنا) لن يفهم قصة (فيليسي)!

كانت (آنا) يتيمة مثلها، لكن ذكية وجميلة، وذات صوت رائع. وكانت فيليسي تتبعها كظلها، رغم معاملة (آنا) الذليلة لها، ورغم أن (فيليسي) قوية كالحصان، و(آنا) هزيلة، لكن تأثير( آنا) الغريب عليها جعلها دائما تطيع أوامرها

كبر البنتان، وظلت (فيليسي) خادمة، بينما نجحت (آنا) واشتهرت كمغنية، نالت كل ما تريد، وذات يوم أصابها مرض؛ بسبب هزالها، فعادت إلى البيت الذي كانت تخدم فيه صديقتها، وظلت تهينها بالرغم من ضعفها واحتياجها لها، ثم ماتت (آنا)، وحينئذ بدأت تظهر شخصيات (فيليسي) المزدوجة، التي كانت تتنقل بينهم بغير وعي، وبعد سنوات انتحرت (فيليسي) مخنوقة بيدها القوية التي أطبقت على رقبتها، سألهم (الرجل الرابع) في نهاية القصة: (ماذا تفعل لو وجدت لصا يسكن منزلك؟ ستقتله؟ أليس كذلك)!

دائما كلما تخيلت فكرة (الحب) يقفز إلى ذهني صور دوائر كثيرة، بعيدة وقريبة، وأشخاص واقفون عند كل دائرة يلوحون لذاتي من بعيد، كأنك تمشي طوال الوقت، تحمل مرآة، لكنها لا تعكس صورتك فحسب، بل تضيف عليها أفكار الآخرين واختلافهم.

كل واحد منهم يرسم صورة معينة لك، وأنت تراها آلاف المرات، في عيون المارة بالشارع، وفي أهلك وأصحابك وعملك.

تخيل أن ترى ذاتك بكل هذا الاختلاف والتناقض، هل يمكنك أن تتصالح معها أو تفهمها؟ هل يمكنك حتى أن تقارن بين صورة وأخرى؛ كى تعرف أين الخطأ الذي يجب إصلاحه؟ حينما أسمع أحدا يتحدث عن فشله في الحب، فإنه يبدأ عادة بصب اللوم على الطرف المفقود، وتجسيد صورة الوغد الخائن الذي لم يقدر الحب، ثم أجده يتساءل بحزن، وعيناه تلمع: (لماذا تركني؟).

ويبدأ في الوصول لشعوره العميق بأنه لا يستحق الحب، وأنه لو كان إنسانا رائعا لكان جديرا بالتمسك به، دائما تبدأ القصة بذات مثالية مضحية، ثم تنتهي بذات مثيرة للشفقة، لكن السؤال: لماذا نقحم نقطة الذات ـ الشديدة الخصوصية ـ في العلاقات الإنسانية العابرة؟

الناس تحرص أن ترتدي ثيابا؛ كي لا يقتحم الآخرون أجسادها بعيونهم، لكن لا يكونون بذات الحذر والانتباه مع أرواحهم.

لكي نفهم فكرة الروح وعلاقتها بالخارج، دعنا نتأمل أصغر وأحكم علاقة في العالم: العلاقة التى يتكون منها الحديد والماء والنار والهواء، ومنها تختلف درجة مرونة المادة، وقدرتها على الانسياب بين الصخور والجدران، واحتمال الصدمات القوية، علاقة مكونات الذرة، أي ذرة في العالم تحتوي على جسم متمركز (روح الذرة) ودوائر طاقة حولها، تحمل إلكترونات. الإلكترونات تدور حول الروح بشكل سريع، وتولد مجالا مغناطيسيا، تجعل الذرة بأكملها تنحرف وتتحرك وتدخل في تفاعلات مكونة مادة جديدة، أي أن وجود العلاقات الإنسانية مهم لتطوير الذات، والخروج بها إلى أراض واسعة جديدة من الفكر والجمال.

هناك من يتخيل أن الوحدة تريح النفس وتحميها من الوجع، ربما، لكنها ستظل سجينة أفكار لا تتغير، وتجارب غير ناضجة عن الحياة، أيضا تلك الإلكترونات المحيطة تتقافز بين دوائر الطاقة بحرية. يمكنها أن تبتعد وتقترب من الروح، ولكن هناك قانونا لاحظه أهل الفيزياء، وهم يراقبون تحركات الإلكترون.

كلما اقتربنا من الدوائر القريبة من الروح كلما قل عدد الإلكترونات المتحركة. مهما تغير حجم العلاقات الخارجية يظل بجوار الروح عدد قليل وثابت من الإلكترونات. وأن تلك البعيدة هي التي تجذب الذرة؛ كي تقيم روابط مع ذرات أخرى، وتتحول إلى مادة جديدة، هناك علاقة محددة جدا في ضبط تلك الدوائر وعدد من يسكنون بها، حتى لو تحولت ذرة الماء إلى بخار؛ نتيجة عاصفة ساخنة من التفاعلات، يظل عدد الإلكترونات القريب من الروح قليلا، ومشدودا جيدا.

قانون الفراق والمسافات والاستقلالية يُدرس هنا، حينما تكون العلاقات الإنسانية عشوائية، ونسمح لأي أحد أن يسكن في أي مكان، ويقترب من حدود الروح المحرمة التي فيها حريتنا واحترامنا لأنفسنا وأفكارنا، فإن الفراق يكون بخسائر مبالغ فيها، واهتزاز عنيف في بديهيات تعرفها عن نفسك.

أعرف شخصا ظل فى عمله يتنازل عن حقوقه ويسمح لرؤسائه أن يفرضوا السيطرة عليه، ويحركوه كالدمية (لمصلحة العمل)، مع الوقت بدأ يفقد إحساسه بقيمته! بدأ ينسى من هو، وماذا يملك من مواهب، بل كيف يضحك بصدق، ويثق في الناس، مر بعدها بفترة مظلمة يبحث عن ذاته المفقودة، هذا لأنه أفرط ليل نهار فب حرصه على النجاح والوصول، كان احتياج نفسي طبيعي في البداية، لكنه ظل يدفعه إلى دوائر روحه الداخلية، حتى تضخم وأصبح مرآة كبيرة، لا يرى ذاته، إلا من خلالها، هذا عبث كوننا نحول الأفكار المثالية عن الحب والعمل والإخلاص إلى أسلحة مدمرة تقتل فينا كل إحساس بالحياة، وضياع للعمر، أن لا نقف كل فترة، ونعيد ترتيب أولويات الحياة، ونجمع إيجار الحب من سكان قلبنا، وننذرهم بالإبعاد والطرد، لو تهاونوا في احترامنا أو حاولوا الاقتراب من دائرة ثقتنا بأنفسنا.

حينما أتأمل تجارب الناس أجد أن جميع الصفات الحميدة للحب من إخلاص وإحساس بالسعادة والشوق، هذه الأمور تحدث حينما يكون الحب متوازنا، كلا الطريفين يحافظ على استقلالية أفكاره وحريته وأحلامه، يكون الطرف الآخر موجود بقوة داخل حلمك كشريك حياة، وليس كسجان، لكن يبدأ الأمر يأخذ منحنى صبيانيا سخيفا، ويتحول إلى الغيرة اللامنطقية، والظن أنه غير مبال بك، والشعور باهتزاز الثقة في النفس، حينما يصبح الطرف الآخر صورتك في المرآة، لا تفكر إلا فيه، لا تسمع إلا صوته يتردد في عقلك، تنسى والديك وأهلك وأصدقاءك المقربين، ويتحولون إلى مجرد وجوه متكررة لصورته، يستسلم الإنسان لشعور الخدر هذا؛ لأنه جميل وممتع، لكن لابد أن تملك قرون استشعار منتبهة وواعية بذكاء لمدى أمان دخول هذا الشخص لمستوى أعمق بداخلك، كثير من الناس تظن أن جاذبية من نحب عنصر لا يد لنا فيه، وهذا غير صحيح؛ لأن الشهاب مثلا لا يدخل نطاق جاذبية الأرض؛ لأنه بعيد، إذا أردت أن تتحكم في جاذبية الأشخاص لك. لابد أن توجد مسافات، مسافة ذكية كتلك التي يحددها الطير حينما يبصر الناس أمامه، دائما ألاحظ عندما أقترب من حمامة أو غراب أنه منتبه جيدا، عينه مركزة، لا على الطعم، بل على موضع قدمي، فإذا ما حانت لحظة محددة، يتقافز بعيدا، ثم يفرد جناحيه للسماء ويطير، إنه لا يساوم وسع السماء وملامسة الشمس وسيادة النفس بأي متعة أخرى، ونحن أكرم من الطير.

الله – عز وجل – يقول: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى). الإنسان الذي وصل للسماء بغير أجنحة، وغاص لباطن الأرض بغير قدرات نارية، ورأى الأكوان الأخرى، ولا زال يحلل معادلات الحياة وحكمتها، هذا كله لأن الله ـ عز وجل ـ وهبه صفتين: إدراك العقل وحرية الإرادة، (فاحكم)، فلا مجال أن نجعل أية علاقة أو تجربة في الحياة تسلبنا إنسانيتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

روح
عرض التعليقات
تحميل المزيد