من المعروف عني أني لا تعجبني أي رواية بسهولة، فدائمًا لي شروط عديدة حتى أقول على إحدى الروايات أنها جميلة أو لنقل أن بها شيئًا من الجمال، ولكن الصديقة أميمة ماهر استطاعت أن تجعلني أتخلى عن كل تلك الشروط وأن أخضع أمام جمال روايتها «أرواح عالقة» وأستسلم بكل سهولة أمامها وأبدأ في قراءتها وأنتهي منها قبل أن أتركها من يدي، فنادرًا عندما يستطيع كاتب أن يفعل هذا بقارئ أو لنقل قارئًا بدرجة كاتب، فالنفس دائمًا أمارة بالسوء ودائمًا عندما يكون القارئ كاتبًا يتمنى لو يجد هفوة صغيرة حتى يفعل كما يقول المصريون (يطلع القطط الفطسانة فيه وفي العمل).

لكن على عكس المألوف استطاعت الكاتبة والصديقة أميمة ماهر أن تجعلني أنحي صفة الكاتب التي بداخلي جانبًا وأقرأ بروح القارئ فقط، وأن لا أحاول أن أبحث لها عن أي هفوة بالعمل ولكن جعلتني أستمتع فقط ولا أفعل شيئًا سوى الاستمتاع فقط وأنا أتجول بين تفاصيل الرواية وبين تفاصيل الشخصيات، واهتمامها الذي أعجبني للغاية بالتفاصيل ومدى قدرتها عن التعبير بكل دقة وكأن الحروف في يدها تشبه قطعة الخزف في يد الفخاري، مستسلمة بكل سهولة لأنها تملك من اليقين ما يكفيها بأن صديقها لن يخذلها وسوف يفعل منها شيئًا عظيمًا سيسرق به الأنظار، وسوف يتسابق الكل في اقتناء الخزف المعاد استخدامه، هكذا كانت الحروف والكلمات والعبارات في أيدي صديقتي أميمة ماهر.

تدور قصة الرواية حول عدة أفكار؛ فمبدئيًا هي تناقش فكرة كيف ينظر المسلمون للمسيحيين وكيف ينظر المسيحيون للمسلمين، وكيف مع ذلك تجمعهم صداقة وعلاقات أقوى من الخلافات التي من الممكن أن تزرعها الأديان في نفوسنا، وتدور أيضًا حول فكرة الذكورة المهددة أو كما يطلق المصريون ظاهرة «سي السيد» ذلك الذكر المستقوي على الفتيات بحجة أنه ذكر ولكن ليس لأنه رجل، فالذكر هو الجنس ولكن الرجولة هي الأفعال، فكثيرًا من الممكن أن تجد من هي بمئة رجل بالرغم من أنها أنثى، ولكن تتصرف كأنها رجل يتصدى للحياة والعقبات وكل شيء يعيقها من حولها بكل شجاعة.

وتدور أيضًا الرواية حول فكرة الطبقية وكيف تتعامل الطبقات الأرستقراطية أو الغنية مع طبقات من هم أقل منهم في المستوى الاجتماعي والمادي سواء كانوا حراس العقار أو من يقوم بركن السيارة في الشارع وهكذا، وتدور أيضًا حول فكرة كيف في كثير من الأحيان لا نفهم شريك الحياة وكيف لا نقدر حقًا أنه يتعب مثلنا ولكن التعب مختلف طبقًا للوظيفة والجنس وكل شيء، ولكن في النهاية مهما اختلفت وتنوعت أساليب وأشكال التعب ظل في النهاية تعبًا وظل واجبًا علينا أن نساعد شريك الحياة في تعبه وليس السخرية منه ومن تعبه، فهو إنسان مثلنا أيضًا ولا يقل عنا في شيء من الأساس! وكانت تناقش أيضًا فكرة أن كثيرًا من الزوجات يظنن أن حماتها تقف دائمًا في أي موقف ضدها ولكن الحقيقة غير ذلك، فهناك كثير من الحموات تكاد تكون أحن على زوجة ابنها أكثر من أمها وفي كثير من الأحيان تقف الحماة في صف زوجة الابن على حساب ابنها ليس كما تظن بعض الفتيات.

وتعالج الكاتبة الصديقة أميمة ماهر هذه المشكلات من خلال ما يسمى استبدال الأرواح بين الغالب والمغلوب والظالم والمظلوم، حتى يعيش كل واحد حياة الآخر حتى يعرف أنه كان يظلمه حقًا لكنه كان غير مدرك لتلك الحقيقة، أو كان يحاول أن يتغافل عنها بأي شكل من الأشكال، ولكن في لحظة من اللحظات مهما حاولت أن تتغافل سيجعلك الله – عز وجل – تشعر بالآخر بأي طريقة، فالله يمهل ولا يهمل فهو يتركك حتى تستيقظ وحدك وتدرك ولكن إذا طالت غفلتك فهو يملك طرقًا كثيرة يستطيع أن يجعلك تستيقظ بها جيدًا من غفلتك لكي ترى الحقيقة التي كنت تحاول أن تتغافل عنها بأي طريقة من الطرق.

وفي أحداث الرواية ستدرك أنك كنت تظلم أحدًا ولكنك كنت غافلًا عن تلك الحقيقة، وستحاول الكاتبة أميمة ماهر أن تلفت نظرك لهذا الموضوع بطريقة أو بأخرى، لذلك عندما تقرأ الرواية وتشعر أنك تظلم أحدًا أرجوك ألا تتردد واذهب لهذا الشخص وصارحه واعتذر له إن كنت فعلًا لا تتمنى أن تخسره في يوم من الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد