إن حياة الفرد المسلم وما تحمله من مسالك ودروب ونزوات، ومن إقبال وإدبار، لهي رهن العقيدة السليمة المصوغة برباط الإيمان، الملخّصة والموضحة كل الوضوح في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 162].

لذا فقد أولى الإسلام عناية كبيرة لغرسها في قلوب الأفراد، لما لها من أثر بليغ في حياتهم وسلوكياتهم. ولنا في الصور التي وردتنا من قبل سلفنا الصالح المثال الحي، فهي بحق صور عملية لتلقي الإيمان:

قال ابن إسحاق: وكان من حديث الأسود الراعي، فيما بلغني: أنه أتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له، كان فيها أجير لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض علي الإسلام، فعرضه عليه، فأسلم – وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يحقر أحدًا أن يدعوه إلى الإسلام، ويعرضه عليه – فلما أسلم قال: يا رسول الله، إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها، فإنها سترجع إلى ربها – أو كما قال – فقال الأسود، فأخذ حفنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدًا، فخرجت مجتمعة، كأن سائقًا يسوقها حتى دخلت الحصن.

ومن صور الإيمان أيضًا التي نلتمسها من حياة الصحابة رضوان الله عليهم، ما دفع علي بن أبي طالب _كرّم الله وجهه_ لينام في فراش رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) معرّضًا نفسه للأذى والخطر نظير فداء رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم).

كما لا ننسى أبا بكر الصدّيق (رضي الله عنه) وفضائله الجليلة التي لا حصر لها ولا عدّ؛ في كثرة الصدقة والصيام واتباع الجنائز، وإطعام المساكين وعيادة المرضى وغيرها من خصال البرّ التي عرفت عنه، إلا أن هذا الأخير تميّز عن غيره بثباته عند وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، ونصرته للإسلام في حروب الرّدة.

وهذا عثمان بن عفّان (رضي الله عنه)؛ يجهّز جيش العسرة، ويشتري بئر رومة، ويوسّع المسجد النبوي الشريف توسعة كبيرة لم يشهد لها مثيل في ذلك الزمان، ثم يتحمّل مشاق جمغ المصحف الشريف.

فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم وغيرهم؛ تميّزت حياتهم بالبذل والعطاء المستمر؛ فقد كانوا رهبانًا بالليل وفرسانًا بالنهار، وصور الإيمان التي تجسّدت فيهم لا نستطيع حصرها؛ فهي صور ناطقة لعقيدة تُفَعِّل الوجدان والمشاعر وتصنع الحركة، فهي ليست عقيدة ترف وحشو معرفي فقط، بل هي عقيدة تصوغ الحياة صياغة سليمة، وعبادة صحيحة، وأخلاقًا حميدة متينة.

فقياسًا على واقعنا اليوم وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم؛ نجد البون الشاسع فيما نقدمه اليوم في تناول جوانب هذه العقيدة السليمة الواضحة السهلة، فلربّما نجدها عندنا عصية صعبة التحصيل يلزمنا لحملها تحصيل أعلى الشهادات لبلوغ ما وصلوا إليه، فكم يلزمنا من الحواشي وشرح الحواشي، وكم يلزمنا من السنوات لتحصيل تلك المعاني، وحين عودتنا للمنبع الصافي، ومصدر الهداية، تظهر لنا المعاني سهلة لا غموض فيها ولا تعقيد، فيكفي الصحابي يومها عند التشبع الإيماني العميق بالفكرة والاقتناع بها أن ينطق بالشهادتين، لينطلق بعدها في عالم الحياة وفي دروب الحياة يصنع الروائع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد