هول القسم

حين يحذر رب الخلائق عبدَه الذي خلقه بيديه والمحتاج إليه في كل لحظة وكل لفتة، ويقسم أمامه – وهو لا يحتاج للقسم – خوفًا عليه ورغبةً في هدايته، فهنا تتجلى رحمة الجبّار المتلطف الذي يحلف لعبده كي يسمع ويرعوي «ولله الحجة البالغة» (الأنعام-149).

ومن أكثر أنواع القسم تكرارًا هو القسم بمخلوقات الله؛ ليكون القسم بحدّ ذاته دليلًا على من أقسم بها، وبرهانًا يدعو الناس للتأمل فيما نراه حولنا متكررًا وقد نغفل عنه، لهذا يشير سيد قطب صاحب الظلال قائلًا: «إذا كان انشقاق القمر آية، فإن القمر بحذ ذاته آية أكبر».(1)

وفي سورة العصر جاء القسم بالعصر الذي من معانيه الدهر؛ لنرى أحوال الزمان، وكيف يطوي الدول، ويغيّبُ الناس جيلًا تلو جيل «ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين» (المرسلات-18)، ومن معانيه أيضًا وقت العصر؛ لنتأمل كل يوم من أيام حياتنا الذي يبدأ بالشروق وينتهي بوقت العصر، ثم الغروب، «وسبح بحمد ربك قبل شروق الشمس وقبل الغروب» ق-16، ليكون القسم دليلًا على الإبداع والقدرة من الجهة الأولى، ويكون أيضًا «كما أشار د. فاضل السامرائي»(2) بمثابة النتيجة للسبب، فلولا العصر لما كان الإنسان في خسر؛ فكان الخسر خير شاهد على العصر.

قصر السورة وقصر الكلمة

ومن أجل بيان هول ذلك الخسر أيضًا لم تستطرد السورة وتُسهبْ في الشرح، بل جاءت مقتصرةً على ثلاث آيات فقط، وهي ثاني أقصر سور القرآن، فكأنها تنبّهنا إلى تلاشي الوقت، فلا يوجد لدينا الترف للّهو والاسترخاء، ولنستجمع الهمّة مباشرة للعمل والإنتاج، أو «كأنها موعظة مودعٍ يريد أن يكتب كلماتِه الأخيرة» قبل رحيله الوشيك(3) «كما أشار م. فراس الحبال».

وكلمة العصر أيضًا تتألف من ثلاثة أحرف فقط، وهي خالية من المدود، وكأن قائل هذه الكلمة الصغيرة يؤكد علينا، كما أكدت السورةُ القصيرة، أنّه لم يتبقَّ لدينا أي وقتٍ في ساعة العصر التي توشك فيها الشمس على المغيب؛ بعكس القسم في كلمة الضحى، والتي تنتهي بمدٍّ في آخرِها يوحي بفسحةِ الوقت الذي ما زال متبقّيًا في أوّل النهار.

حروف العصر

في العصر كان حرف الصاد ما قبل الأخير ساكنًا، إذ لو وقفنا على سكون في الراء الأخير فسيجتمع ساكنان، وتجنب بعض النحاة ذلك بالإشمام «كما أشار أبو حيان صاحب تفسير البحر المحيط»(4)، فنقلت حركة الراء إلى الصاد، لتجنب الثقل، فتبدو الكلمة وكأنك تشلّ حركة أحرفها حين تقف في آخرها وتُرغمها أن تتساكن وتتخامد، كما يحدث حين تغيب الشمس ويمحى النهار.

ولعل الأعجب هو حرف الراء الذي تصفه الدراسات الصوتية الحديثة بأنه حرف صامت تكراري Rolled Consonant ويقول عنه سيبويه(5) في كتابه الكتاب: «إذا تكلمت به أخرجته كأنه مضاعف»، فنلاحظ أن لساننا يدور كالعجلة حين نلفظ الراء، لكنَّ السكونَ تأتي وكأنها توقفُ تلك العجلة الدائرة لتُشعِرنا بحتمية التوقف القادم في المحطة الأخيرة من يومك وعمرك.

ومن الجدير بالذكر أن اللغة العربية وبعض اللغات الأخرى تُعرَف من خلال نطق الراء بهذه الطريقة، ولذلك كان الأمريكيون يُميّزون من جاء مهاجرًا إلى بلدهم من خلال هذه السمة الصوتية، فهو لا يستطيع إخفاءها بشكل كامل، مهما كانت درجة إتقانه للهجة الأمريكية ليبقى حرف الراء يكشِفه من فلتات لسانه.

جواب القسم

جاء بعد ذلك جواب القسم بمؤكّداته: وهي حرف إنّ ولام التوكيد «إن الإنسان لفي خسر»؛ ليشيرَ إلى فداحة الأمر وليُرينا النتائج الحتمية والمباشرة فينا كأناس نسير نحو الفناء، لنتبصّر في الجانبِ الحقيقي من الحياة التي لا تعدو سوى أن تكون خسارة متعددة بسيرِها إلى المصير الذي ينتهي إليه المال، والجسد، والصحب، والعائلة. كل ذلك يتلاشى بمجرّد أن تتوقفَ دقاتُ القلب، ولمن هذه الخسارة؟ إنها ليست لإنسان واحد، بل للإنسان بمجموعه؛ فدخول ال التعريف جعل كلمة الإنسان اسم جنس لا يختص بواحد دون غيره من أفراد جنسه.

وكان الإنسان في خسر، أي منغمسًا فيه من كل جانب، ولهذا لم يقل إن الإنسان لخاسر كما أشار لهذا «الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير».(6)

وجاء الخسر أيضًا بصيغة التنكير؛ أي التنويع، فهي لا تحدّدُ شيئًا بعينه بل تشمل كل شيء تملكه في دنياك وما سيؤول إليه مصيرك في آخرتك.

آفاق الخسر

من أين أتانا كل هذا الخسر، وكيف يحيط بنا؟ أينما تأملت ستراه: أنت خاسر إذا أعرضتَ عن طريق الله ومشيت في الطريق الخاطئ، أيًّا كان، رغم أنه حذّرك، بل حتى أقسم لك كي تنتبهَ وتعودَ وهذا هو الخسران المبين.

أنت خاسرٌ حتى لو قعدتَ واكتفيت من دنياك بالولادة، والأكل، والشرب، ثم الموت «وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ» (الجاثية-24)، وقد أشار الرازي في التفسير الكبير فذكر أن «القرآن في جانب الخسر ذكر الحكم ولم يذكر السبب، وفي جانب الربح ذكر السبب وهو الإيمان، والعمل الصالح ولم يذكر الحكم، فالخسر يحصل بمجرّد الترك وعدم العمل، ولا بد للربح من عمل وطاعة».(7)

أنت خاسر حين تمشي في طريق الله، لكنك بطيء الخُطى، والسابقون الأولون أمامك «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» (المطففين-26).

أنت خاسر حتى لو سبقتَ، كيف ذلك؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ» (في الصحيحين وغيرهما)، ولعل المعادلة المستحيلة هي أن تكون عبادتك لفاطرك بمقدار النعم التي غمرَك بها، ودون ذلك خرط القتاد.

أنت خاسر أصلًا؛ لأنك مركّبٌ من نقصٍ وإلى فناء، لماذا؟ لأن لك بداية. وكلّ شيء قد بدأ فهو محكوم عليه بأن ينتهي، والوحيد الذي لم يخسر هو الذي لم يولد بعد.

فهل ثمة حجة لقاعد، وقد أحاط به كل هذا الخسر؟ وللحديث بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- في ظلال القرآن-3427
2- روائع البيان القرآني-موقع الكتروني-سورة العصر
3- موقع حصاد الالكتروني
4- البحر المحيط-جـ 8-ص 509 وغيره
5- سيبويه-الكتاب-المجلد الرابع-ص 136
6- التحرير والتنوير-جـ31-ص531
7- التفسير الكبير-الرازي-جـ32-ص85
عرض التعليقات
تحميل المزيد