هل تنتظر الحياة انتهاء الوباء لتستأنف عملها؟

لا أريد الحديث عن الفيروس المستجد ولا الأوبئة ولا الهلع الحاصل، لا أريد الحديث عن انهيار الأعصاب وشحّ البضائع والمطالبة بألا يشتري الناس أكثر من احتياجهم الأسبوعي، ومناشدات الأطباء اليائسة بأن يعاملهم المواطنون والطافحة أعصابهم بالهلع بشيء من الرحمة، وأنهم يبذلون أقصى جهودهم، ويأملون فقط لو ترك لهم عامة الناس شيئًا من الكحول والقفازات الطبية.

لا أريد كل هذا، لا أحبه ولست بحاجة إليه. منذ أمس وأنا أعمل على تجميع مواد لأجل مقالة محتملة، ربما لن ترى النور الآن، متعلقة بهذا الوباء أو الجائحة أو الفاشية حسب المصدر الذي أستقي منه. منذ أمس وأنا أردد، بلا وعي تقريبًا، في أثناء تحضير طعام الغداء «(كوفيد-19) هو اسم المرض، (سارس-كوف-2) اسم الفيروس، بينما العائلة كلها اسمها (كورونا)» ثم أكمل «عائلة منحطّة»، وأنتبه لخيط أفكاري فأحاول التركيز فيما آكله أو أطبخه. فقدت شهيتي، مجددًا.

أحزان شخصية/ عادية 

فقدان الشهية أحد أعراض إصابتي بنوبة اكتئابية جديدة، طالت كثيرًا هذه المرة، ولا مسبب واضح لها. أكثر الأعراض حدّة الأرق الدائم، صار لي أكثر من شهر ونصف الآن لا أنام جيدًا، ولو نمت أستيقظ مذعورة بلا سبب. أمس مثلًا أفقت فجأة بسبب ضغط المثانة الهائل، لكن الألم لم ينبهّني، بل ما أيقظني كانت فكرة «لماذا تتعالين على الناس في مقالاتك؟»؛ فقمت فزعة أصيح «والله أبدًا، والله أبدًا»، ثم انتبهت لما يحدث، وهرعت إلى الحمام. هذا الروتين المحطّم للأعصاب والتساؤلات القاسية لا تدع الفرصة لرأسي كي يستريح. القلق المَرَضي ليس مسليًا، على ما يبدو.

كيف اختفى المنبع؟

نتيجة لذلك الأرق المتعاظم، دخلت فيما يشبه الكهف، أو الحفرة العميقة التي لا يبدو أن لها آخر أو قرار. صرت أكثر وحدة: لا أستطيع التواصل مع الذين أكترث لأمرهم ويكترثون لي، ولو حدث وتقابلنا مثلًا أو تحادثنا في الهاتف، لا يرون سوى الجانب المَرِح، القادر على التعامل، كثير الكلام. كنت قد دخلت في مرحلة من الضغط العصبي الهائل، صرت أكثر هيستريا وأعلى صوتًا، وغير قادرة على التركيز على الإطلاق. لم أعد أستطيع التحدث عما بداخلي، وكيف أنني وحيدة، وخائفة، ولا أستطيع المواجهة.

على أن هذا كله يمكن احتماله، بشكل ما. ما يؤلمني فعلًا الاختفاء التدريجي والهادئ وغير المحسوس، للنبع.

بداخلي مخزن صغير، أسمّيه حينًا المنبع أو المخزن أو المخبأ، أو «المُكنة» لو كان مزاجي رائقًا. داخل ذلك المكان متعدد المسميات كنت أخبّئ كل شيء جميل: الأكل الرائع الذي أستمتع به، الخروجات ولقاءات الأصحاب الدافئة، كل الكلام الحلو الذي يقولونه لي في فترات حياتي السيئة أو الجيدة، كل الصور الحلوة التي أبحث عنها وأتابعها لشواطئ البحار والزهور والأشجار والجبال. كنت أتحدث من فترة بعيدة لأحد أصدقائي عن حبي العميق للجبال والأشجار، وكيف أنني أشعر بأنها بيئتي الطبيعية. صمت قليلًا ثم قال إنه يشعر بشيء مماثل مع البحر وشواطئه، ولا يحب الجبال كثيرًا. احترت بعدها فيما أفعل ولمن أتحدث عن شعوري ذاك، حتى وجدت «ستيتس» كتبها د. هشام سلّام، أستاذ الحفريات الفقارية في جامعة المنصورة، على صفحته على الفيس بوك «أيوة إحنا اللي بنحب الزلط ونمشي نجّمع فيه» وبجوارها وجه مبتسم. حينها شعرت بالطمأنينة: هناك كثيرون مثلي في هذا العالم.

هذا المخزن، الذي أحتفظ فيه بكل شيء جميل يحدث لي، اختفى.

ذلك النبع، كان ملجئي في الأوقات العصيبة: أبحث بداخله عن شيء حلو، ذكرى جميلة أو وصفة طعام مشبعة، أو عبارة مضحكة قيلت لي، أو مقابلة مع الناس الحلوة تركت أثرها عدة أيام بعدها، أجدها فيشرق يومي. أجدها فأذهب للنوم هانئة. أجدها فينزاح القلق، ولو مؤقتًا، ولو للصباح، حينما يتخذني كيس الملاكمة الخاص به ليتدرب ويصبح أقوى.

أين ذهب؟ إلى أين غطس؟ كيف يمكنني البحث عنه وأين؟ يا إلهي، ما الذي فعلته؟!

اصبر. لا تجزع

مع النوبة الاكتئابية الجديدة، تعاظم القلق، مما نتج منهما معًا أرق عنيف. تسبب هذا الأرق وتسارع إيقاع حياتي المفاجئ في دفن منبع الأشياء الرائعة أسفل طبقة هائلة من التراب، أو هكذا فسّرت لي صديقتي الجميلة اليوم، بعدما تجرّأت أخيرًا وأفصحت عمّا يضايقني. يأتي الاكتئاب مثل معظم الأمراض النفسية، بشعور هائل من الخجل، فلا يفصح الإنسان عن مشاعره خجلًا منها. اليوم تغلّبت على ذلك وحكيت لها، فقالت لي إنه أمر مؤقت، وسيعود حتمًا.

فقدت لغتي أيضًا. أنا شخص مشتغل باللغة: أترجم وأدقق وأكتب وأراجع. أكثر ما يثير دهشتي في الحياة اليومية العادية استخدام الأشخاص للغة، وكيف يتنوّع اختيارهم للألفاظ والعبارات ومدلولها بتنوّع بيئاتهم الاجتماعية والثقافية، وغيرها من العوامل، حتى إنني في بعض الأحيان أستغرق وقتًا للإجابة عن سؤال، أو إصدار تعليق لأن ما سمعته ممن يحدثني جعلني أتساءل «لماذا اختار هذا اللفظ وليس ذاك؟» بل إنني أحيانًا أضع علامات ترقيم متخيّلة للجمل التي أسمعها، وإن أجبرت نفسي على التوقف عن هذا مؤخرًا؛ لأنه يعيق الكلام مع الآخرين.

لكن القلق طغى على كل شيء. صرت لا أستطيع القراءة لأنني لا أرى الحروف، عقلي يسبق عيني ويلتقط حرفًا من السطر الأول ثم الثالث ثم الخامس عشر، ويحاول تكوين كلمات مفهومة مما فعله توًّا. ولو ركَّزت بصري على سطر واحد لا أرى حروفه ولا أستطيع تكوين كلمات منها، ولو كوَّنت كلمات لا أستطيع ربطها بعضها ببعض فأصنع جُملًا مفهومة. تصيبني حيرة هائلة أمام الكلمات المكتوبة فيتعاظم خجلي وأشعر بأن بي «شيئًا ما خطأ»، وأنني أصبحت معطوبة. والأمر أسوأ مع الإنجليزية: صرت لا أراها مطلقًا. ارتعبت.

إلى أن هاتفت صديقي، وبكيت له.

للمصادفة البحتة، كانت أول مرة أصاب فيها بهذا الخلل المؤقت حينما طلبت من الصديق نفسه أن نتقابل ليقرأ لي مقالًا يتحدث عن القلق المَرضي. هذه المرة أعطاني تطبيقًا للقراءة على متصفح «جوجل كروم» وآخر على الهاتف المحمول، وثالث أثبته على جهازي لأقرأ الكتب لو أحببت. هذه التطبيقات تقرأ بصوت عالٍ المكتوب أمامها على الشاشة، بينما عيني مثبتة على السطور التي أسمعها، بهذا أستطيع التركيز أكثر. كتبت له آخر اليوم أنني لأول مرة منذ فترة طويلة جدًّا استطعت قراءة مقال كامل بالإنجليزية، وأنني ممتنة له جدًّا. لم أخبره بأنني كنت أبكي من الفرح: استطعت القراءة أخيرًا، مجددًا.

يتعوّد الإنسان على النعمة حتى لينسى أنها له، ثم فجأة: أعمل إيه أعمل إيه؟

لم يسخر مني صديقي أو يتساءل لماذا فقدت قدرتي على القراءة، لم يتعامل على أنني شخص غريب أو معطوب، فقط أرسل لي التطبيقات مع تأكيد بأنني لو لم أستطع استخدامها عليّ مكالمته فورًا ليشرح لي أو يرسل لي غيرها. أعتقد أن هذا الفِعل يستحق ضمّه لمنبع الأشياء الرائعة، فور العثور عليه.

زهور العالم وأشجاره: كيف نتركها؟ ولمن؟

دخلت أتصفح مدوّنة إحدى الصديقات الأصغر مني سنًّا، فوجدتها قد وضعت رابطًا لأغنية «لو تروح» لوجيه عزيز. كتبت لها تعليقًا: «كانت هذه الأغنية «ساوند تراك» حياتي لفترة من الوقت.. ألا ليت الشباب يعود يومًا!» وأرسلت وجهًا تعبيريًّا ضاحكًا. ثم انتبهت لمدى حزن ما كتبته، وعبثيته ربما.

بعدها مباشرة بدأت في البحث عن صور جميلة، نوعية الصور التي أحبها ولم أعد أنتبه لها كثيرًا لضعف شبكة الإنترنت – العذر الرسمي – ولطبقة التراب الهائلة التي أصابت كل موّصلاتي العصبية تقريبًا. رأيت الأزهار الزرقاء الصغيرة «لا تنسني» وشلالات مياه، وشواطئ بحار، وأقواس قزح، وعصافير دقيقة الحجم، وزهور الكرز الوردية والبيضاء، والجبال التي تشرق الشمس عليها أو من بين تكويناتها الصخرية. شعرت بالأسى يتصاعد: هل يذهب سكّان الأرض ويتركون كل هذا الجمال؟ ولمن؟

ضحكت لتساؤلي، ضحكة ساخرة أو هازئة. أنا محشورة في القاهرة، وسط أسمنت وخرسانات مسلَّحة من كل مكان، لا زهور كرز أو شلالات أو «لا تنسني» ولا يحزنون، أنا في الأحوال العادية محرومة من كل هذا، لو أردت رؤياه أفتح الإنترنت! لم أحتج لفيروس كي يحرمني منه، بلاش كلام فاضي واستجلاب للأسى بلا أي مبرر.

«كما كنت»

أمس كنت أحادث صديقتي «القلق يخبطني في السقف وينزلني ثم يخبطني ثانية، هذه حالتي العادية، لا جديد هناك، بلا وباء أو غيره» ثم ضحكت.

ما الذي يمكننا فعله؟ كل الاحتياطات نتخذها، نلزم المنزل ونغسل أيدينا ونأكل خضراوات وفاكهة ولا ننشر الذعر، تمام حلو جدًّا، وماذا بعد؟

كوكب الأرض؟ سينتبه لحاله، ليس أول وباء ولا آخره، سينصلح الأمر بأي كيفية، ما سيحدث سيحدث.

بعد ثلاثة أيام من تجربة تطبيق القراءة على «كروم» استطعت قراءة مقالة كاملة باللغة العربية دون مساعدة وبقدر كبير من التركيز والفهم، ومقاطع صغيرة بالإنجليزية دون مساعدة أيضًا، وابتهجت لهذا. أصبحت قادرة على الكلام بجمل مفهومة جيدًا، على قلّتها. كتبت هذه التدوينة بعد انقطاع طويل عن الكتابة، والتي أرجو أن تكون واضحة ومترابطة. يبقى أن أعمل على المقالة المطلوبة مني، والتي لا أستطيع على وجه الدقة ترتيب أفكاري فيها أو التركيز بحيث أضع الكلمات متجاورة والفقرات أسفل بعضها لتكون مفهومة ودقيقة ومترابطة. هذا تحدٍ كبير، لكن يمكنني خوضه ومحاولة النجاح فيه. أعتقد أن عليّ فيما بعد العثور على مهنة أخرى، العمل في النجارة مثلًا أو تفصيل الملابس، أي شيء لا يتطلب كلمات كثيرة أو الاستخدام المعقّد للغة ومحاولة إعراب ما ينطقه الناس وترقيمه.

بشكل ما، أريد الآن خبز فطيرة تفاح كبيرة ومشبعة. طلبها مني أخي منذ عدة أسابيع. أعتقد أن وقتها قد حان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد