تحدث الكثير من الباحثين وأصحاب الرؤى والتحليل السياسي والمهتمين بالشأن المصري عن أن ما تمر به مصر ليس له حل إلا المصالحة على غرار المصالحة التي تمت بجنوب أفريقيا، بعد ثلاثين عامًا من الكفاح المسلح (1960 -1990) ضد نظام الفصل العنصري “الأبارتهيد”.

والذي قام “فريديريك وليام دي كليرك ” – آخر رئيس أبيض لجنوب أفريقيا – وقتها برفع الحظر عن حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” الذي يتزعمه “نيلسون مانديلا” والذي أُفرج عنه بعد سجن دام 27 عامًا, بعد أن تم تخفيف ظروف الاعتقال في عام 1988 نتيجة مفاوضات بين قادة حزبه في المنفى، ورجال أعمال ورؤساء شركات مقاولات كبرى في جنوب أفريقيا, وقد أظهر فيما بعد هو وحزبه رضوخًا للرأسمالية العالمية وللجيش وللاستثمار الأجنبي، والحفاظ على ثروات الكبار ووقف الكفاح المسلح بعد تدهور اقتصادي رهيب لجنوب أفريقيا.

اتفق الفريقان على مرحلة انتقالية يملؤها العفو والمصالحة بدستور جديد وانتخابات جديدة عام 1994، فاز بها “نيلسون مانديلا” وحزبه وانتخب رئيسًا لجنوب أفريقيا.

وقد عَيَّن الرئيس “نيلسون مانديلا” أعضاء لجنة “الحقيقة والمصالحة” والبالغ عددهم 17 عضوًا في ديسمبر 1995، اُختير القس الأشهر “ديزموند توتو” رئيسًا لها. وقد بدأت أعمالها في أبريل/ نيسان سنة 1996، وأنهت أشغالها بتقديم تقريرها في أكتوبر/ تشرين الأول 1998. وكانت مهمتها في حماية الحقائق التاريخية من التزييف ومعرفة حقيقة الانتهاكات, وجبر ضرر الضحايا وعائلاتهم بالاستماع لمظلمتهم، والاعتراف بمعاناتهم، والاعتذار لهم، وتعويضهم هم وذويهم وإعادة تأهيلهم تسهيلاً للعفو والمصالحة, والقيام بإصلاحات سياسية ومؤسساتية؛ لضمان عدم تكرار الانتهاكات وتأسيس الديمقراطية عبر إصلاح دستوري.

لم يكن العفو المجاني النابع من اليأس لطول فترة الصراع هو المحرك الأساسي للمصالحة فقط، إلا أن إحساس الطرفين بحتمية المصالحة والجلوس على مائدة المفاوضات والنية والإرادة لذلك, وطول فترة الكفاح المسلح حيث الزمن دائمًا جزء من العلاج والاعتقالات وكثرة التضحيات، وتدهور الاقتصاد وسوء حالة البلد السياسية والاجتماعية, ورضوخ الجناح المعارض للعبة الدولية وقبوله بالرأسمالية العالمية والشركات الكبرى عابرة الدول، مع توازن القوى اللاعبة في الساحة الإقليمية والدولية؛ كل ذلك ساهم في المصالحة بين المتصارعين, ورغم أن المصالحة لم تكن مثالية مائة بالمائة، لم تحظ برضا شعبي كامل، ولم تكن تجربة التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا ناجحة بخلاف نظام يسمح بتداول السلطة إلا أنها أنهت حالة من الاحتراب الأهلي بين أبناء المجتمع الواحد.

في المشهد المصري ومقارنته بنظيره في جنوب أفريقيا:

-“السيسي” ليس “دي كليرك” ولا يوجد في الحراك المعارض مثل زعامة “نيلسون مانديلا” فالسيسي جاء ليبقى وتم تمهيد الأرض له وتعبيد الطريق أمامه؛ ليستمر لا ليستسلم ويترك المشهد لغيره, كما أن نظامه يتثبت ويتشكل ويستقر بشكل مستمر لكنه بطيء, وهو صاحب أجندة ولديه أفكار وليس له خطوط حمراء وهو الآن على مشارف المرحلة الثانية من الحكم – عمليًا وتكتيكيًا وإستراتيجيًا – بعد أول حكم إعدام لمحمود رمضان والتعديل الوزاري ومؤتمر مارس الاقتصادي، وتواتر الأنباء من الشرق عن شرق أوسط جديد بدون الإخوان.

كما أنه لايوجد توازن في القوى الداخلية الفاعلة في الصراع المصري حيث غلبت الرصاصة الصوت مع التزام الطرف الفاعل والقوي والأكبر في جناح المعارضة بالسلمية وعدم تبنيه للكفاح المسلح كما في جنوب أفريقيا, كما أن العين الحمراء تمكنت من السيطرة على حركات وفصائل ثورية, ولم يتمكن الحراك من فرز الكتلة الحرجة لثورة شعبية جامعة.

ولا يوجد توازن قوى خارجي في المشهد الإقليمي والعالمي حيث يُعد التحالف الأمريكي والخاص بالشأن المصري، ومعه الإماراتي والسعودي هو الأقوى وذلك بعد تخلي قطر عن حماية ظهر الحراك المعارض في مصر، وغياب الدعم التركي السياسي واكتفائها بالدعم اللوجستي والمعنوي وانشغالها بقضاياها التوسعية في محيطها الإقليمي بعد سيطرة إيران على أربع عواصم عربية في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم الرضوخ الإخواني للنظام العالمي واللعب من داخله وفى الإطار المرسوم في شكل مرحلي تكتيكي, وقبولها بالرأسمالية الدولية واقتصاد السوق واعتماد الاقتصاد الريعي, إلا أن الفكرة الإخوانية الأيديولوجية يُصيبها كثيرٌ من الغموض من حيث فهم الغرب لها وخاصة الأمريكي, وذلك للممارسة الخاطئة لبعض قيادات الإخوان وقراراتهم واختياراتهم مع إيمانهم الكامل بالتنظيم الأممي العابر للحدود والمهدد للطموح الغربي والأمريكي.

ويبقى لنا أن الزمن والذي هو جزء من العلاج لم يضرب بعمق في تاريخ الثورة المصرية, فإننا لازلنا في السنة الخامسة منها, والأرض لم تشبع من الدماء، والتضحيات لازالت ضئيلة أمام حجم الآمال والأمنيات, ثم أن العفو والمصالحة النابعيْن من اليأس لم يضربا صفوف الجميع، ولازال الخطاب التخديري الحماسي هو السائد، واحتاج الإخوان أكثر من خمسة عشر عامًا لكي يتصالحوا مع السادات بعد موت عبدالناصر.

لهذا كله أرى أن لا تطابق ولا تماثل بين التجربة الجنوب أفريقية والمشهد المصري وخاصة في وجود “السيسي” وفي ظل الأوضاع الحالية, ولذلك فلا بوادر ولا توقع لمصالحة بهذا الشكل وفي هذه الظروف وفي تلك الأيام القريبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد