(1)

أمضى الحاكم العسكري لمصر يومين في اليابان، ومثلهما في كوريا الجنوبية، وعاد منبهرًا بالإنسان الياباني والكوري الجنوبي، ويتمنى أن ينقل الإنسان الكوري والياباني إلى مصر!

(2)

دعك من أن (الانبهار) بالإنسان الكوري والياباني، بعد زيارة (فوقية) ولمدة أيام قليلة، هذا لا يليق بحاكم، بل توضح أن صاحبها ـ في عصر القرية الواحدة وثورة الاتصالات ـ يحاكي ـ في جهله بما هو ذاهب إليه ـ الشيخ رفاعة الطهطاوي؛ عندما انتقل من عمق الريف، في أوائل القرن التاسع عشر، ليزور فرنسا! لكن يبقى السؤال: هل يريد الحاكم ـ حقًا ـ أن ينقل نموذج الإنسان الكوري الجنوبي إلى مصر؟

(3)

المنطقي لمن يريد أن يحاكي أمرًا ما أن يسير على دربه، لذلك لنا أن نلقي نظرة على (الدرب) الياباني والكوري الجنوبي؛ لنعلم إن كان الحاكم يريد ويسعى ـ حقًا ـ لمحاكاة الإنسان الكوري الجنوبي أم لا.

(4)

على صفحة ويكيبيديا، وهي أول ما يتوجه إليه المثقف؛ ليتعرف على المعلومات (الأولية)، نجد ما يلي عن تاريخ كوريا الجنوبية الحديث، بعد تقسيمها، وبعد الحرب الكورية، التي انتهت عام 1953م، تاركة كوريا الجنوبية فقيرة ومحطمة، كالشمالية، يذكر الموقع ما يلي: ” شهدت كوريا الجنوبية سلسلة من الديكتاتوريات العسكرية من العقد 1960م، تصل حتى العقد 1980م، ومنذ ذلك الحين تقدمت نحو ديمقراطية ليبرالية ناجحة، اليوم، كتاب حقائق العالم يصف الديمقراطية في كوريا الجنوبية بأنها “ديمقراطية حديثة تعمل بشكل كامل”.

(5)

وهذا يفسر لماذا حتى الثمانينات كان يقال في مصر: (يا عم دا منتج كوري) كناية على المنتج المغشوش ردئ الكفاءة، ثم جاءت الطفرة بعدها، حتى أصبحت أعلى المنتجات الأصلية، مثل: (سامسونج) و(إل جي) وغيرها كورية.

(6)

كانت البلاد متأخرة تحت حكم الانقلابات العسكرية، ثم (تقدمت) ـ على حد تعبير الموقع ـ نحو ديمقراطية ليبرالية ناجحة، والآن أصبحت ـ تحت ظلال الديموقراطية التي تلت حكم العسكر ـ أول دولة في العالم في عدد الجامعات المتقدمة مقارنة بعدد السكان.

(7)

إذن كان درب كوريا الجنوبية نحو خلق الإنسان الكوري الجنوبي الحالي، الذي ينبهر به الحاكم العسكري، ويريد استنساخه، هو: التخلص من حكم العسكر، التوجه نحو الديمواقراطية والحريات، الاهتمام بالتعليم، وتوجيه الأولوية له، وعلى هذا فالوصول للإنسان الكوري الجنوبي ـ سيدي الحاكم العسكري ـ يستلزم أول ما يستلزم: رحيلك أنت ونظامك.

(8)

وإذا ألقينا نظرة على اليابان التي دومًا ما نقارن نهضتنا بنهضتها (!) في تاريخ البدء في أواسط القرن التاسع عشر، نجد أنه بينما اهتم محمد علي بتعليم طبقة ضيقة من الصفوة العسكرية والخدمات المدنية المصاحبة لها من الطب والهندسة من أجل تكوين إمبراطورية عسكرية وخدمة جيشه، فإن اليابان قامت بتوسيع نطاق التعليم، وعندما سيطر العسكريون على الحكم فإنهم وجهوا موارد الدولة نحو التوسع والتسلط والقمع في الداخل والخارج، حتى انتهت اليابان إلى الدمار في الحرب العالمية الثانية، ومن بعدها نبذت اليابان حكم العسكر الذي جلب لها عارًا ما زالت تعتذر عنه في كل زيارة خارجية لمسئول إلى بلد من جيرانها، وأحسنت توجيه مواردها القليلة نحو التعليم والديموقراطية ومكافحة الفساد، وعانت كثيرًا؛ حتى حققت معجزتها الحقيقية، بالعلم والعدل والتنكر لحكم العسكر.

(9)

إننا في مصر حاليًا ـ مع القمع وانتهاكات حقوق الإنسان، وتأليه الحاكم، واعتباره المنقذ والإعلام الأحادي والانتخابات الأحادية ـ لا يمكن أن نكون بأية حال من الأحوال على درب اليابان أو كوريا (الجنوبية)، بل نحن مسرعون على درب كوريا (الشمالية)، بسرعة وإصرار.

(10)

إن الحاكم العسكري ونظامه يصنع الإنسان الكوري (الشمالي) الذي يؤله الحاكم ويضع في يده مقادير كل شيء، فعندما يأمر شعبه بأن ينزل إلى الشوارع ليعطيه تفويضًا خارج إطار القانون والدستور، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية)، وعندما يكرر الحاكم في خطاب واحد ثلاث مرات أمرا إلى الشعب أن يستمع له فقط، ويكرر: (فقط)، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية)، وعندما تكون الانتخابات الرئاسية بين (المحلل) و(المحلل له) فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية)، وعندما يجتمع مجلس النواب ليقر 350 قانونًا في أسبوعين، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية)، وعندما يهلل الإعلام؛ لأن مجلس النواب رفض قانونًا واحدًا من بين هذا القوانين، ويعتبرها ديموقراطية، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية).

(11)

عندما تنفق 5 مليارات دولار لشراء حاملتي طائرات هليوكوبتر وطائرات مقاتلة كاسدة السوق في بلد يتردى فيه مستوى التعليم إلى الحضيض، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية)، هي وحدها التي تتردى فيها الخدمات الأساسية، وتنفق معظم دخلها على الجيش، فعندما تتضخم ميزانية الجيش وتتجمد ميزانية التعليم، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية)، وعندما ينفق النظام 20 مليار جنيه على تفريعة لا تأت بأموال، بدلًا من أن يبني بها مدارس وجامعات جديدة ويطور الحالية، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية)، وعندما يتحدث الحاكم عن إنجازات الثلاثة أعوام الماضية فيتحدث عن طرق وكبارٍ وتفريعة ومساكن، ويكاد ينسى التعليم بالكلية، فإن مثل هذا لا يحدث في كوريا (الجنوبية)، وإنما في (الشمالية).

(12)

عندما تأت بوزير تعليم جاهل لا يحسن الكتابة، وعندما يسود الجهل في المحافل العلمية ويتوارى العلماء، وعندما يهاجم الإعلام المستشار العلمي للرئيس؛ لأنه أدان (جهاز الكفتة)، وقال الحقيقة بشأنه، وعندما يهتم رؤساء الجامعات بالمطاردات السياسية، وفصل المعارضين، بينما تتهاوى العملية التعليمية، فأنت لست على درب كوريا (الجنوبية)، بل (الشمالية).

(13)

يا سيدي الجنرال، يوم أن يزول حكمك، ساعتها فقط حدثني عن السير على درب كوريا الجنوبية؛ لأن أول خطوة خطتها كوريا الجنوبية على دربها كانت تتمثل في التخلص من أمثالك، لكني أظنك يوم زوال حكمك لن تكون هنا لتحدث أحدًا، فإن القذافي يوم سقط حكمه، لم يعد موجودًا ليحدث أحدًا، أو يندم عما فعل، ويوم يسقط زعيم كوريا الشمالية، فلن يكون موجودًا ليحدث أحدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد