في محاولة لتحليل النظام العالمي الحديث، عمد كثير من الباحثين إلى تقسيم العالم لكتل اقتصادية، لكل منها دورها في الاقتصاد العالمي: منها دول المركز (أو النواة)، ودول الهامش (أو دول الأطراف)، ودول نصف هامشية (أو شبه هامشية). تصنيف كل دولة يحدده نوع الإنتاج والعمل وظروفه، كما أن نوع النظام السياسي السائد له تأثير مباشر على الإنتاج، ومن ثم يُتخذ أيضًا مؤشرًا لتصنيف الدول. ومن بين أبرز الباحثين إيمانويل واليرشتاين (باحث أمريكي مختص في تاريخ الاجتماع) الذي قدم بحثًا عميقًا تعقَّب فيه نشأة النظام الرأسمالي الحديث وتطوره منذ بداياته في القرن السادس عشر ميلادي، نشره في أربع مجلدات تحت عنوان (النظام العالمي الحديث).

حسب تعريف إيمانويل واليرشتاين (بتصرف)، فدول المركز هي المستفيد الأكبر من الاقتصاد العالمي الرأسمالي، تحتكر غالبية الأموال المتداولة في العالم. تتوافر دول المركز على حكومات مركزية قوية، ونظام إداري فعَّال ودقيق، وعلى جيوش قوية ذات تسليح متطور استطاعت بواسطتها السيطرة على منابع المواد الخام في العالم والهيمنة على التجارة الدولية وتنظيمها بصورة غير متكافئة تحقق الربح الأكبر لدول المركز. وشكلت بريطانيا وفرنسا وهولندا أول مركز للنظام الرأسمالي في حقبته الأولى في القرن السادس عشر.

دول الهامش، تفتقد إلى حكومات مركزية قوية أو حكوماتها خاضعة لدول المركز، يعتمد اقتصادها عادة على الزراعة أو على تصدير المواد الخام إلى دول المركز، وتسود فيها ممارسات العمل القسري، وتتوافر على فائض من اليد العاملة الرخيصة التي تستغلها شركات دول المركز فتفتح فروعًا للإنتاج في دول الهامش. دول الهامش لا تتوافر على أدوات الصناعة والتكنولوجيا الحديثة، نظامها التعليمي والصحي هزيل. لها نصيب جد زهيد من الإنتاج الإجمالي العالمي، ولا تحصل إلا على نصيب جد ضئيل من الثروة العالمية.

أما الدول نصف الهامشية فتقع بين دول المركز ودول الهامش، تتوافر على خصائص هيكلية من كليهما. الدول نصف الهامشية لديها بعض الصناعات، وتحاول الاعتماد في اقتصادها على تصدير السلع التي تصنعها، لكن هذه الدول تفتقر إلى القوة الاقتصادية التي تتمتع بها دول المركز، ولا تزال تعاني من الفقر. تلعب الدول نصف الهامشية دورًا رئيسًا كوسيط بين دول المركز والدول الهامشية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كالدور الذي لعبته مثلًا إسبانيا والبرتغال في القرنين السابع عشر والثامن عشر ميلادي كوسيط تجاري داخل الإمبراطورية الاستعمارية الأوروبية. فالدول نصف الهامشية تعمل كسمسار للسياسات التي تمارسها دول المركز على دول الهامش؛ إذ تسهل التواصل بين الدول الهامشية ذات الدخل الفردي المنخفض ودول المركز ذات الدخل الفردي المرتفع. الدول نصف الهامشية تشكل حلقة مهمة في التسلسل الهرمي للنظام العالمي، وتلعب بذلك دورًا حيويًا في استقراره.

حجم السيادية هو المعيار الأصح لتصنيف الدول

رغم وجود اتفاق على شكل هيكلة النظام العالمي المشار إليه فوق، إلا أنه ليس ثمة إجماع على معايير محددة، جامعة مانعة، تُصنَّف على أساسها الدول ضمن المركز، أو الهامش، أو نصف الهامش. فمثلًا كريستوفر تشيس دان، يوكيو كاوانو، وبنجامين بروفير (باحثون في قسم علم الاجتماع بجامعة جونس هوبكنز الأمريكية)، في تقرريهم المنشور سنة 2000، تحت عنوان: عولمة التجارة منذ عام 1795: موجات الاندماج في النظام العالمي، صنفوا 20 دولة كدول المركز، منها 25 دولة أوروبية، بالإضافة إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، واليابان. وصنفوا مثلًا كلًا من الصين، الهند، تركيا، إيران، وإندونيسيا ضمن الدول نصف الهامشية (ومجموعها 13). وما عدا هذه الدول الثلاث الأخيرة الذكر صنفوا كل باقي الدول في العالم الإسلامي ضمن لائحة الدول الهامشية.

أما سلفاتوري بابونيس، ففي بحثه الذي نشره سنة 2005 تحت عنوان هيكل الدخل على مستوى الدول ضمن إطار الاقتصاد العالمي، فقد صنف 25 دولة ضمن المركز، منها 17 دولة أوروبية، بالإضافة إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، اليابان، الصين، هونج كونج، وسنغافورة. وصنف مثلًا كلًا من الهند، تركيا، وتونس ضمن الدول نصف الهامشية (ومجموعها 13).

لهذا أجنح إلى تقسيمٍ بديل، لا يتخذ مثلًا معدل الدخل الفردي والحجم التجاري للدول معيارًا، ولكن يضع معايير السيادة لتصنيف الدول: فينظر هل تستند الدولة إلى قوتها الذاتية لحماية نفسها أم تعتمد على حماية غيرها لها، ومدى قدرة الدولة على اتخاذ قوانين وقرارات ومواقف في السياسة الداخلية والخارجية بطريقة مستقلة تمامًا عن رغبة وإرادة دول العالم كلها، وقدرتها على إعلان الحرب والسلم تبعًا لمصالحها هي الخاصة، وليس لمصالح دول أخرى، وعدم ترددها في مواجهة أي دولة في العالم مهما كان حجم قوتها إن استدعت الضرورة ذلك.

الرسول وضع المعايير الرئيسية للدولة السيادية

فمعيار قوة الدولة هو السيادة، وليس الغنى أو الفقر، ولا مظاهر الأُبهة والعظمة من بنايات ضخمة راقية وغيرها، ولا حجم الإنتاج الصناعي والفلاحي (مع أهميته)، ولا كميات الموارد الطبيعية من معادن وغيرها. فلدينا مثلًا دول الخليج التي تعتبر من أغنى الدول في العالم، لكن مع ذلك ليس لديها أبسط مقومات السيادة، أموالها وخيراتها الطبيعية مسخرة لخدمة دول الغرب. وفي المقابل نجد مثلًا الدولة التي أقامها رسول الله في المدينة وخَلَفَه في حكمها الخلفاء الراشدون لم تكن قوية اقتصاديًا، ولم يكن أهلها في بحبوحة من العيش (مع تواجد قلة من الأغنياء)، ولم تعرف مظاهر الأبهة والعظمة. فكان مثلًا أهم مركز وبناية في الدولة، ألا وهو مسجد الرسول في المدينة الذي كان يؤُم فيه الرسول نفسه الصلاة وتُدار منه الدولة وتخرج منه الجيوش للحرب، كان بناية جد بسيطة، أعمدته من جذوع النخل وسقفه من الجريد (أغصان النخيل)، وأرضيته من التراب، وجداره من الطوب. والقوة العسكرية لدولة الرسول كانت متواضعة مقارنة بكثير من القبائل في جزيرة العرب، ناهيك عن دولت الفرس والروم. لكن دولة الرسول كانت منذ أول أيامها ذات سيادة كاملة، لم تستند في تأسيسها لشرعية النظام الدولي السائد آنذاك، ولا في حمايتها إلى جيوش الفرس أو الروم، بل اعتمدت على قوة المسلمين أنفسهم لبناء الدولة وحمايتها. ولم تخضع لقوانين أكبر وأقوى دولتين في ذلك العصر، دولتي الفرس والروم. فكان التشريع في دولة الرسول مستقلًا عن كل دول العالم وشرائعها. وكانت دولة الرسول سيدة قراراتها في إعلان الحرب أو السلم، فلم تكن تتحاكم إلى الفرس أو الروم، بل تعاملت بالند معهما منذ اللحظة الأولى، ولم تخش تحديهما ومواجهتهما عسكريًا، كما حصل مثلًا في غزوة مؤتة سنة ثمان هجرية، والتي واجه فيها جيش المسلمين المكون من 3 آلاف مقاتل 200 ألف مقاتل من الروم.

فأهم الأسس التي أسس عليها الرسول دولته هو أن تكون كاملة السيادة، سيدة كل قراراتها، والسيادة لا تكتمل إلا إذا كانت الدولة مستعدة ولا تتردد في مواجهة أية دولة في العالم مهما كان حجم حشودها العسكرية والمالية. لذلك لم يقبل الرسول من قبيلة شيبان لما دعاهم للإسلام وليكونوا الدرع الحامي للدولة التي يريد إنشاءها ورئاستها، أن تبقى لهم تبعية لدولة الفرس ولا أن يمتنعوا عن قتالها إن استدعى الأمر ذلك. فلما قال المثنى بن حارثة (شيخ قبيلة بني شيبان وقائدها العسكري) للرسول: إنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صِيرَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْيَمَامَةُ (أَرْضُ الْعَرَبِ) وَالْآخَرُ السَّمَامَةُ (أَرْضُ فَارِسَ وَأَنْهَارُ كِسْرَى)، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا.. وَلَعَلَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ (يا محمد) مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَلِي بِلَادَ فَارِسَ فَذَنَبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ. فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَنْصُرَكَ وَنَمْنَعَكَ مِمَّا يَلِي الْعَرَبَ فَعَلْنَا (أما ضد دولة الفرس فلا يمكننا نصرتك ومنعتك). فَرد عليه الرسول: “إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ” (أي أن يكون مستعدا وعازما على نصرة الإسلام ضد كل دولة في العالم مهما كانت قوتها). ثم قال صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَمْنَحَكُمُ اللَّهُ بِلَادَ الفرس وَأَمْوَالَهُمْ، وَيُفْرِشَكُمْ بَنَاتِهِمْ، أَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُقَدِّسُونَهُ؟ (اقتباس بتصرف من البداية والنهاية لابن كثير: كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فَصْلٌ في عَرْضِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ على أَحْيَاءِ العَرَبِ).

فالرسول رسم الخطوط الرئيسة للأسس التي يجب أن تُؤسس عليها الدولة السيادية.

معايير السيادة الكاملة

ومن ثم يمكن تحديد أهم معايير السيادة الكاملة كالآتي:

شرعية الدولة وحمايتها

استناد الدولة في تأسيسها وشرعيتها وحمايتها لقوة داخلية ذاتية، وليس لأي دولة أخرى أو لأي منظمات دولية. هذه الفكرة إذا أدركها مؤسسوا الدولة وآمنوا وعملوا بها، لوحدها كافية لحشد الهمم والطاقات والجدية والإرادة والأخذ بالأسباب الازمة لتكون الدولة في وقت جد وجيز قادرة على صناعة سلاحها بنفسها وكل الضروريات التي تحتاجها للعيش، وألا تخضع لأي خطوط حُمر تضعها دول أخرى، بل تصنع رغم أنف كل دول العالم أي سلاح تشاء، يمنحها القوة والهيبة، بما في ذلك السلاح النووي.

التشريع

استقلالية التشريع وسن القوانين عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فيكون سن القوانين في كل المجالات (السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والمالية… إلخ) منبثق من عقيدة الأمة ومبدئها ليس إلا، لا تلقي اعتبارا لرأي أي دولة في العالم، ولا تسمح لأي دولة التدخل في منظومتها التشريعية.

السياسة الداخلية – الاقتصاد

استقلالية اقتصاد الدولة عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فلا يكون اقتصادها تابع للدول والمنظمات الأجنبية ولا خاضع لإملاءاتها، ولا تعتمد الدولة على التمويل الأجنبي لمشاريعها الاقتصادية الحيوية، ولا تُمَكَّن أي شركة أجنبية من خيرات البلاد بحيث يكون لها حق التصرف فيها وتحديد أسعارها… إلخ. فالدولة يجب أن تحافظ على سيادتها التامة على خيرات البلاد من معادن وموارد الطاقة (كالغاز الطبيعي، والنفط، والطاقة الشمسية، الخ). فحتى إن استعانت الدولة بخدمات تقنية أو فنية لشركات أجنبية، فلا تُمَكَّن تلك الشركات من أي نسبة من ملكية الموارد الطبيعية ولا تُعطى حق التنقيب عليها، ولا يُسمح لتلك الشركات الأجنبية بالمساهمة برأس المال لاستخراج المعادن أو تعديلها حتى لا يصبح لها بذلك حق ملكية وسيادة، وإنما تبرم الدولة معها عقودا كأجير بأجر معلوم وأجل محدود، فتقدم فيها تلك الشركات خدمات واستشارات فنية مقابل أجر معلوم، وليس مقابل تملك نسبة من تلك الموارد الطبيعية أو حق التصرف في المناجم والآبار. تمامًا كما يفعل مثلًا صاحب الأرض الزراعية الذي يستجير مزارعين ليزرعوا الأرض ويسقوها ويحصدوا المحصول الزراعي مقابل أجر معلوم، ويبقى صاحب الأرض الزراعية هو الممول للمشروع الزراعي – بحيث هو من يشتري البذور ويوفر الماء للسقي ويشتري الآلات الضرورية للزراعة… إلخ – وصاحب الأرض هو من له الصلاحية الحصرية لتحديد ما يجب زرعه، وهو من له السيادة المطلقة في كيفية التصرف في المحصول الزراعي، فيسوقه كيف شاء وبالثمن الذي شاء.

السياسة الداخلية – الأمن

استقلالية المؤسسات الأمنية للدولة عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فلا تحدد لها دول أجنبية ومنظمات دولية مفهوم الأمن وكيفية تحقيقه، وتحدد لها من هم الأعداء ومن هم الأصدقاء، وكيفية التعامل مع الأعداء أو التخلص منهم، ولا تلزمها الدول الأجنبية بالتعامل الأمني معها والتجسس لصالحها، بل مبدأ الأمة وعقيدتها والمصالح الذاتية للأمة والدولة، المصالح المبنية على العقيدة المتبناة، هي وحدها التي تحدد مفهوم الأمن وكيفية تحقيقه، فتكون المؤسسات الأمنية خادمة للأمة، وليست لدول أجنبية.

السياسة الداخلية – التعليم

استقلالية المؤسسات التعليمية في الدولة، في كل مستوياتها، وسواء كانت مؤسسات خاصة أو حكومية، استقلاليتها عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فلا تحدد لها دول أجنبية ومنظمات دولية المناهج الدراسية ومضمونها وأهداف التعليم. فمن السيادة أن يكون أهم ركن التعليم وأهدافه، هو تخريج أجيال حاملة للعقيدة التي تحملها الأمة وأسست على أساسها الدولة. فلا دوام لأمة ودولتها بدون أجيال تحمل العقيدة التي تشكل الشعلة والوقود لسيادة العالم.

السياسة الخارجية – العقود والمعاملات والمعاهدة مع الدول الخارجية

استقلالية الدولة في إبرام معاهدات وعقود تجارية وعسكرية وغيرها مع أي دولة في العالم دون الحاجة لإذن أي دولة أخرى أو منظمة دولية، فتُصدِّر مثلًا الدولة بضائع وخدمات لمن تشاء من الدول في العالم، وتستورد ممن تشاء من دول العالم، لا تخضع في ذلك لرقابة أي دولة أو منظمة دولية، فلا تقاطع دولةً لأن دولةٌ ما أمرت بذلك.

السياسة الخارجية – إعلان الحرب أو السلم

سيادة الدولة لا تكتمل إلا إذا كانت لها الإرادة والعزيمة والقدرة على إعلان الحرب والسلم حسب معاييرها هي لشروط الحرب والسلم، وتبعا لمصالحها هي الخاصة وليس لمصالح دول أخرى، وعدم ترددها في مواجهة أي دولة في العالم إن استدعت الضرورة ذلك، مهما كان حجم قوة تلك الدول. والدولة التي تكون هذه عقيدة سياستها الخارجية، ستفلح قطعًا في امتلاك القدرة على تصنيع سلاحها بنفسها، وعلى امتلاك كل ما تستطيع تصنيعه من أسلحة تخول لها القدرة على مواجهة أية دولة في العالم.

فتبعًا لهذه المعايير، من هي الدول السيادية ومن هي الوظيفية في العالم اليوم؟ هذا ما سأجيب عنه في الجزء الثاني من هذا البحث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد