أمريكا هي الدولة السيادية أما أوروبا والصين وروسيا وكندا وأستراليا واليابان كلها ذات سيادة ناقصة

الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة السيادية الوحيدة في العالم

تبعًا لمعايير السيادة السابقة الذكر في الجزء الأول، فلا توجد اليوم إلا دولة واحدة سيادية، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية. فهي وحدها التي تتوافر على سيادة كاملة في سياساتها الداخلية والخارجية على السواء. أما الصين، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وأستراليا، واليابان، فكلها ذات سيادة ناقصة. والسبب الرئيس لنقصان سيادتها هو خضوعها في السياسة الخارجية، سواء الشق التجاري منها أو الحربي للولايات المتحدة الأمريكية.

فليس ثمة دولة اليوم تستطيع إعلان الحرب والسلم في أي بقعة في العالم وإلزام كل دول العالم بذلك، إلا الولايات المتحدة الأمريكية. فالبلد الذي تعلن عليه أمريكا حربًا (حقيقية وليست صورية)، تجد كل دول العالم تخضع لقوانين حالة الحرب التي تفرضها أمريكا على البلد (كحصارها اقتصاديًا وعدم تزويدها بالسلاح… إلخ)، وتدفع تلك الدول المطيعة بجنودها ليقاتلوا إلى جانب الجيش الأمريكي أو على الأقل تزويده بالمعونات اللوجستية والمخابراتية، وفتح البلاد جوًّا وبحرًا وبرًا للقوات والعمليات العسكرية الأمريكية. وقد تُموٍّل تلك الدول الحروب الأمريكية (كما هو حال دويلات الخليج مثلًا).

الولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها التي تضع اليوم قوانين اللعبة في كل أصناف العلاقات الدولية. أما باقي دول العالم (وعلى رأسها الدول الوظيفية) فهي كالسنّ في الدولاب، تدور في الاتجاه الذي تدفع أمريكا نحوه.

دول أوروبا والصين وروسيا دول ذات سيادة ناقصة لخضوعها في السياسات الخارجية لأمريكا

فخذ مثلًا دولًا كبرى كالصين، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وأستراليا، واليابان، فهي تابعة للسياسة الخارجية الأمريكية، سواء المتعلقة بالحرب أو بالتجارة، وبالتالي فاقدة للسيادة الكاملة.

كل الدول تعادي من يعادي أمريكا وتنخرط في الحروب تحت إمرة أمريكا

فمثلًا تَدَخُّل روسيا العسكري في الحرب في سوريا كان بإيعاز من أمريكا، فروسيا لا تقاتل في سوريا إلا ضمن مشروع أمريكي كبير للمنطقة، فتقوم روسيا بتنفيذ أحد جزئيات المشروع، منه تفريغ سوريا من أهل السنة وإحداث تغيير ديمغرافي كالذي فعله الغرب سابقًا في فلسطين مثلًا، أي استبدال طوائف عقيدتها لا تشكل خطرًا على إسرائيل والنفوذ الغربي في المنطقة بأهل السُّنة.

وانخراط دول الغرب في الحرب في أفغانستان والعراق كان بإيعاز من أمريكا وتحت إمرتها.

ولما أعلنت أمريكا ما يسمى (الحرب على الإرهاب)، هرولت كل دول العالم للانضمام الى الحروب العسكرية والمالية والسياسية على كل من تصنفه أمريكا إرهابيًا – سواء كان المُصَنَّف دولةً أو جماعةً أو فردًا – وسارعت كل الدول لتسليم مسلمين لأمريكا بتهمة الإرهاب كقربان للتأكيد على ولائهم لأمريكا، وتولت دولٌ تعذيب مسلمين تحت تهمة الإرهاب بالنيابة عن أمريكا. وتخضع كل الدول للعقوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها أمريكا على أي مسلم أينما كان يعيش في العالم، فتُجمد أمواله وحساباته المصرفية، ويُحرم من أبسط حقوقه كحق العمل والسفر والتملك… إلخ. وغيرت كل الدول بعض قوانينها الداخلية استجابة لأمريكا (تحت مسمى قوانين الإرهاب)، فأصدرت مثلًا قوانين تجيز تزويد أمريكا بمعلومات عن مواطنيها (مواطني الدول الوظيفية والدول ناقصة السيادة)، كقوائم المسافرين بالطائرة، والحوالات المالية، والاتصالات الهاتفية والإلكترونية… إلخ. وليست ثمة دولة واحدة في العالم تجرؤ على التعامل من فرد أو جماعة أو دولة صنفتها أمريكا على أنها إرهابية (تصنيفًا حقيقيًا وليس صوريًا، كالتصنيف الصوري لوحدات حماية الشعب الكردية ضمن اللائحة الأمريكية للجماعات الإرهابية). وفي المقابل لا تبالي أمريكا بتصنيفات باقي دول العالم، فتتعامل مع أي جهة تشاء ولو صنفتها باقي دول العالم على أنها إرهابية، كدعم أمريكا لقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية في الحرب في سوريا، رغم احتجاج تركيا مرارًا على ذلك، إذ تصنف تركيا تلك الجماعات على أنها إرهابية.

النفوذ الأمريكي يمتد حتى أبواب روسيا والصين والى قعر دار أوروبا

بل حتى حالة الحرب أو السلم في البلدان الواقعة على حدود روسيا والصين أو في قعر دار أوروبا، تحددها أمريكا. فمثلًا حرب البوسنة والهرسك (1991 – 1996) وحرب كوسوفو (1998 – 1999) في قعر أوروبا أدارتها أمريكا وانخرطت فيها دول أوروبية تحت شروط أمريكا وإمرتها، وأنهت أمريكا تلك الحروب بمعاهدات وعقود وضعت هي بنودها وأهدافها. وفي المقابل روسيا لم تستطع التدخل العسكري بجانب صربيا، حليفها التاريخي والعقائدي، حين أعلنت أمريكا (تحت مظلة الناتو) الحرب عليها سنة 1998، واكتفت بالتنديد.

وتغلغلت أمريكا عسكريًا وسياسيًا في دول الاتحاد السوفيتي السابق، والتي كانت مناطق نفوذ تام لروسيا وتقع على أبوابها، كأذربيجان، وكازاخستان، وقرغيزستان، وأوزبكستان، وجورجيا.

كما تغلغل النفوذ العسكري الأمريكي حتى أبواب الصين، كتغلغله في باكستان، وأفغانستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وكوريا الجنوبية، واليابان، وتايوان… إلخ. وبإنشاء الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ سنة 1907، والذي لا زال ناشطًا إلى اليوم، عززت أمريكا هيمنتها على المحيط الهادي، المنفذ المائي الرئيس للصين. وفي تحدٍّ صارخ ورسالة عسكرية صريحة للصين، أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مرة سفنها الحربية للمرور عبر مضيق تايوان، على بعد مسافة قليلة جدًا من السواحل الصينية. ونظرًا لدعم أمريكا لتايوان وحمايتها لها، لا تقوى الصين ولا تجرؤ على استرداد حتى جزيرتها الصغيرة هاته الواقعة في المحيط الهادي، والتي لا تتعدى مساحتها 36 ألف كلم مربع ولا تبعد عن الصين إلا بمسافة 140 كيلومترًا.

ولا زالت دول أوروبا تراهن على الناتو الأمريكي لحمايتها من روسيا. ولأمريكا تواجد عسكري قوي ومراكز تجسس في أكبر وأقوى دول أوروبا. فمثلًا هناك أكثر من 30 قاعدة عسكرية، وما يزيد عن 30 ألف جندي أمريكي في ألمانيا. وتتواجد عشرات القواعد العسكرية الأمريكية وأكثر من 10 آلاف جندي أمريكي في بريطانيا. ولوكالة الأمن القومي الأمريكي (إن.إس.إي)، أهم وكالات جمع المعلومات والتجسس على كل أنواع الاتصالات، فروع في عدة دول أوروبية وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا.

فإذا كانت هذه الدول الغربية الكبرى لا تستطيع حماية حتى محيطها الجغرافي والسياسي من النفوذ الأمريكي ولا تحديد حالة الحرب أو السلم فيه، وتعتمد على الناتو الأمريكي لحمايتها، فأنَّى لها أن تنافس النفوذ الأمريكي في البلدان الأبعد عنها جغرافيًا وعقائديًا؟ أنَّى لها أن تتحرر في سياستها الخارجية؟

أمريكا هي التي تضع قوانين اللعبة في التجارة العالمية والكل يخضع لها

أما اقتصاديًا فأمريكا هي أيضًا الدولة التي تحدد قوانين التجارة العالمية وهي وحدها التي يمكنها إعلان حصار اقتصادي شامل على أية دولة في العالم وفرض عقوبات اقتصادية، فتخضع لها كل الدول وتنفذها. فليست دولة في العالم، بما فيها الصين، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وأستراليا، واليابان، تستطيع تجاوز الخطوط الحُمر التي تحددها أمريكا في التجارة العالمية. ولعل أكبر مثال حي على ذلك هي العقوبات التي تفرضها أمريكا على إيران، إذ تجد حتى الاتحاد الأوروبي يلتزم بها ويقطع علاقاته التجارية مع إيران، رغم حاجة الشركات الأوروبية الماسة للعلاقات التجارية مع إيران واستفادتها منها. أما روسيا، فليس ثمة أفصح تعبير على عجزها أمام الهيمنة الأمريكية على التجارة العالمية، كخطاب الرئيس فلاديمير بوتين لإيران، تعقيبًا على فرض أمريكا عقوبات عليها ومنع روسيا وأوروبا من التعامل الاقتصادي معها، إذ قال بوتين: روسيا ليست فريق إطفاء، فلا يمكنها أن تنقذ كل شيء.

ومن بين الأمثلة الأخرى على نقصان سيادة دول الغرب نفسها، إرغام الولايات المتحدة الأمريكية سويسرا على تغيير قانونها الداخلي المتعلق بسِرِّية وحصانة المصارف السويسرية. فسويسرا اضطرت تحت ضغط أمريكي (بدأ سنة 2007) لتعديل قانون الحصانة والسرية الذي كان من مقدسات النظام المصرفي السويسري لأكثر من 100 سنة، وإصدار قانون يجبر المصارف السويسرية على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية بمعلومات عن الحسابات المصرفية لمواطنين أمريكيين ومقيمين في أمريكا، ليتسنى لها متابعة الأموال المهربة من دفع الضرائب في أمريكا. وأرغمت أمريكا مجموعة يو. بي. إس المصرفية السويسرية على دفع غرامة مالية تقدر بمئات ملايين الدولارات عقوبة على مساعدتها (ولو بطريقة قانونية وعن غير قصد) مواطنين أمريكيين للتهرب من دفع الضرائب.

تبعًا لما تقدم (وهو غيض من فيض)، فدولٌ كالصين، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وأستراليا، واليابان، كلها ذات سيادة ناقصة لخضوعها في السياسة الخارجية، الشق التجاري منها، وخصوصًا الحربي، للولايات المتحدة الأمريكية.

هذا حال دول أوروبا، وروسيا، والصين، وكندا، وأستراليا، واليابان، دول ناقصة السيادة، أما باقي الدول وعلى رأسها كل البلدان الإسلامية بدون استثناء، فهي دول وظيفية، وهذا ما سأتطرق له في الجزء الثالث والأخير من هذا البحث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s