عُرف كارل شميت في بدايته الفكرية بموقفه ضد النازية، ولا سيما في السنوات الأخيرة من جمهورية فايمار؛ إذ كان يعد النازية خطرًا سياسيًّا وتهديدًا للاستقرار، لكن لما تمكن الحزب النازي (الحزب الاشتراكي الوطني) من الوصول إلى سدة الحكم، التحق به كارل شميت واستطاع بعد ذلك أن يصبح أحد أهم المنظرين للنازية؛ مما جعله عضوًا في مجلس الدولة البروسية، ورئيسًا لاتحاد القوانين الاشتراكيين الوطنيين، كما عمل أستاذًا جامعيًّا عمل بكل استماتة على تبرير السلطة المطلقة، ومعارضًا للشكل الديمقراطي الليبرالي.

يذهب كارل شميت في كتابه «اللاهوت السياسي» إلى تعريف الحاكم السيادي بقوله: «هو الذي يقرر في حالة الاستثناء»[1] فأي محاولة لتفكيك هذا القول تجعلنا نقول إن كارل شميت ها هنا لا يقدم تعريفًا حاسمًا للحاكم السيادي، وإنما يحاول أن يحدد المهام الملقاة على عاتقه، والاستثناء لا يجب أن ينظر إليه هنا كحالة للطوارئ، وإنما يجب أن تفهم بارتباطها بالمفهوم العام لنظرية الدولة[2]، فيرجع كارل شميت إلى جعل الاستثناء أساسًا منهجيًّا وقانونًا منطقيًّا للسيادة، ويعد حالة الاستثناء «قرارًا» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالدولة لدى شميت؛ إذ لم تكن مجرد وهم أو واجهة للتحالفات الفئوية والمصالح الخاصة، لا بد أن تكون صاحبة سيادة فعلية على أرضها ومواطنيها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تعريف السيادة النوعي الذي يقترحه شميت يتصل حصرًا بالحالات الحدية والاستثنائية، وليس بالرتابة والعادة.

وعيله فإذا كانت حالة الاستثناء بمثابة قرار يرتبط بالمفهوم العام لنظرية الدولة أساسًا، فإن اتخاذ هذا القرار ليس مهمة الشعب ولا مهمة البرلمان، وإنما هو مهمة الحاكم السيادي لذلك يرجع شيمت إلى موقف روبرت فون مول الخبير القانوني والتشريعي الذي يذهب إلى إن اختيار ما إذا كانت حالة طوارئ موجودة ولا يمكن أن تكون اختيارًا تشريعيًّا، فالذي يجعل موضوع السيادة – حسب شميت – يؤخذ في الحسبان هو الاستثناء، وحينما يتحدث عن السيادة فهو يعني مسألة السيادة بأكملها، فنجده يقول : «إن وجود الدولة هو دليل لا شك فيه على تفوق الدولة على صلاحيات العرف القانوني»[3]، يظهر لنا هنا كيف يتحرر قرار الحاكم من قيود القانونية التي كان من المفترض أن تلجم قرارته، فأصبح يتمتع بجميع الصلاحيات في اتخاذ القرار، بل أكثر من ذلك فهو يضع الحاكم السيادي فوق القانون حينما يقول: «إن الدولة تعلق القانون في الحالات الاستثنائية على أساس حقها في المحافظة على الذات، كما يقال، ويحل عندها العنصران المكونان مفهوم «النظام التشريعي» ويصبحان مفهومين مستقلين، وبالتالي، شاهدين على استقلالهما المفاهيمي».[4]

هكذا تكون حالة الاستثناء حالة عابرة تتخذها الدولة قرارًا حاسمًا، فهي حالة خارجة عن القانون، لذلك فإن سلطة الدولة التي تعلو على الكل تخول لها أن تعلق حالة الاستثناء حفاظًا على ذاتها، ونلاحظ في موقف شميت هنا تأثير هوبس الذي يضع جميع الصلاحيات في يد الدولة، فهو – شميت – يرى أنه على عكس الأوضاع العادية تتراجع اللحظة المستقلة للقرار إلى الحد الأدنى إذ تدمر القاعدة في الاستثناء، ومع ذلك يبقى التشريع قادرًا على الوصول إلى الحالة الاستثنائية؛ لأن العنصرين، القاعدة والقرار، باقيان ضمن إطار العمل التشريعي، لكن أين يكمن جوهر سيادة الدولة؟

يرى كارل شميت أن الحاكم هو الذي ينتج وضع الاستثناء في مجمله، هكذا يظهر جوهر سيادة الدولة التي يجب أن تكون محددة تشريعيًّا بشكل صحيح، فالحاكم من هذا المنطلق يحتكر سلطة اتخاد القرار في إعلان حالة الاستثناء أو تعليقها، كون الاستثناء جوهر سلطة، ويقول في ذلك الفيلسوف جورجو أغامبين خلال نقاشه لهذا الطرح في كتابه «حالة الاستثناء»: «تتلخص البنية الطبولوجيا لحالة الاستثناء في صيغة مفادها أن تكون منتميًّا لشيء رغم كونك خارجه ومنفصلًا عنه؛ لأن صاحب السيادة الذي بيده قرار حالة الاستثناء ينال توصيفه هذا في الواقع فقط بموجب الاستثناء نفسه الذي يمكن وصفه هو أيضًا من خلال هذا الطباق (الانفصال والانتماء)».[5]

هل إعلان حالات الاستثناء أو إلغاؤها تستند إلى قاعدة قانونية؟

يتبنى كارل شميت موقفًا رافضًا لكل التصورات الديمقراطية الليبرالية التي يرى أنها تتناقض مع مشروعه؛ لذلك يستحضر موقف جون لوك من الدولة الدستورية الذي يقول بأن الاستثناء أمر غير قابل للقياس، والإدراك الحيوي لمعنى الاستثناء المنعكس في عقيدة القانون الطبيعي في القرن السابع عشر، ضاع سريعًا في القرن الثامن عشر، إنه أساس لنظام ثابت نسبيًّا، كما يرجع إلى موقف إيمانويل كانط الذي يقول إن قانون الطوارئ ليس بقانون أبدًا، يقول شميت: «تكشف النظرية الحديثة للدولة مشهدًا مثيرًا للاهتمام تتواجه فيه نزعتان، هما النزعة العقلانية التي تتجاهل حالة الطوارئ، ونزعة القانون الطبيعي التي تهتم بالطوارئ».[6] إن العقلانية جاءت في إطار الرد على نمط الحكم الأرستقراطي التيولوجي ويعتقد روادها أنها هي التي تستطيع أن تحمي الشرعية الدستورية لكن شميت يرى أن هذه العقلانية ذاتها خلفت جملة من التبعات من بينها أن الاستثناء لا يبرهن أي شيء، وأن الأمور العادية يمكن أن تكون موضع الاهتمام العلمي، ويرد على ذلك بقوله إن الاستثناء يخلط وحدة المخطط العقلاني بنظامه.

وفي تناوله للتعارض بين القاعدة والقرار، يبرهن شميت على أنه يمكن اختزال أحدهما في الآخر، بمعنى أنه لا يمكن طرح الاستثناء من مضمون القاعدة استثناء كاملًا دون بقية القاعدة. يفضي قرار إعلان حالة الاستثناء إلى تعليق القاعدة أو إلغائها حتى؛ غير أن هذا التعليق يرمي مرة أخرى إلى خلق وضع يسمح بتطبيق القاعدة (ينبغي خلق وضع يسمح بتطبيق القواعد فيه). وتفصل حالة الاستثناء القاعدة عن تطبيقها لجعل التطبيق أمرًا ممكنًا. فتستحدث حالة الاستثناء في القانون حيزًا لا معياريًّا لجعل التقنين الفعلي للواقع ممكنًا.[7]

يستند كل نظام قانوني إلى قرار، وكذلك يحوي مفهوم النظام القانوني المطبق كونه أمرًا بديهيًّا، التناقض في داخله بين العنصرين المختلفين: العرف والقرار، وككل نظام آخر، يستند النظام القانوني إلى القرار وليس إلى العرف؛ إذ يمكن للاستثناء أن يكون أهم من القاعدة، وذلك ليس بسبب سخرية رومانسية للمفارقة، بل إن جدية التبصر تصل إلى أعماق التعميمات الواضحة التي يمكن استنتاجها من الأمور التي تكرر نفسها عادة، فالاستثناء أكثر إثارة للاهتمام من القاعدة؛ إذ لا يؤكد الاستثناء القاعدة فحسب، بل يؤكد أيضًا وجودها الذي ينبثق من الاستثناء، ويصرح اللاهوتي بروستانتي، وهو الذي أظهر حماسة جوهرية ممكنة في التأمل اللاهوتي في القرن العاشر.

خلاصة القول إن نظرية السيادة تمثل بلا شك محاولة لا لُبس فيها لربط حالة الاستثناء بالنظام القانوني؛ غير أن تلك المحاولة كما يراها جورجو أغامبي ما كانت لتتحقق لو لم تكن حالة الاستثناء قد صيغت مسبقًا من خلال بنية مفاهيمية تأسست نظريًّا في كتاب «الدكتاتورية» لكارل شميت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد