فيلم تدور أحداثه في الغرب الأمريكي أواخر القرن التاسع عشر، تم تصويره فى إسبانيا في الستينيات، وأخرجه إيطالي لا يجيد الإنجليزية مقتبسًا أحداث الفيلم من فيلم ياباني مقتبس هو الآخر من مسرحية إيطالية.

 

هذا المزيج العجيب لفيلم ”من أجل حفنة دولارات” كان هو الثورة التي أحدثها المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني في وجه أفلام الغرب الأمريكي (الويسترن) التقليدية.

قبل ليوني كان أبطال أفلام الويسترن في الغالب رجالاً مهندمين لهم مظهر جيد وإحساس إنجيلي بالحق والقيم في مواجهة ”الأشرار”، مع ليوني لم يكن الأمر كذلك، بل حفنة من الأوغاد بملابس وأحذية متربة وذقون غير حليقة وجباه تنضح بالعرق، بملامح قاسية أفرزتها شمس الصحراء الحارقة، ساعين غالبًا نحو المال، وفي بعض الأحيان نحو الانتقام، يتقاتلون على طريقة العصابات الصقلية، أبطال ليوني كانوا أكثر واقعية بعيدًا عن المثالية القديمة، تلك هي الملامح الأساسية للسباجيتي ويسترن.

 

أفلام الغرب الأمريكي التي صنعها إيطاليون مثل سيرجيو ليوني، أو سيرجيو كابروتشي، أو سيرجيو سوليما السمة المميزة الأخرى لها – والأكثر وضوحًا- هي الموسيقى، ومايسترو موسيقى السباجيتي ويسترن بالطبع الإيطالي إينيو موريكوني، المفارقة أنه لا يحب مصطلح السباجيتي ويسترن على الإطلاق.

 

إينيو الزميل السابق لسيرجيو ليوني في المدرسة، الصدفة التي اكتشفاها فيما بعد بعد عملهما معًا. يقول المخرج الكبير مارتن سكورسيزي عن فيلم آخر لسيرجيو ليوني: “حدث ذات مرة في الغرب هو أوبرا معاصرة، الفيلم امتداد للأوبرا، التقاليد المسرحية الإيطالية، والموسيقى، والكادرات، وحركة الكاميرا، والشخصيات الملحمية كأنها خطت من أسطورة عتيقة، الإيطاليون لا يصنعون أفلام ويسترن، بل أوبرا، لذلك فالموسيقى بالغة الأهمية في جميع أفلام ليوني”.

 

ليوني وموريكوني صنعا معًا العديد من اللحظات التي لا تنسى في تاريخ السينما، استمر التعاون بينهما لعقدين وفي ستة أفلام For a fistful of dollars – 1964 For a few dollars more) 1965 The good, the bad and the ugly – 1966 Once upon a time in the west – 1968 Duck, you sucker – 1971 Once upon a time in America – 1984).

موسيقى إينيو ليست للتعليق من بعيد على أحداث الفيلم، بل هي جزء لا يتجزأ من الأحداث. أصوات ضربات السوط، والرياح، وموسيقى ساعة الجيب، والهارمونيكا، والصرخات الوحشية، وصافرات المسافرين المتعبين، والصوت النسائي الأثيري، كلها تمتزج في موسيقاه وتندمج في أحداث الفيلم معبرة عن خواء الصحراء وقساوتها، وعن وحدة وعزلة أبطال الفيلم.
أخبره ليوني أثناء إعداد فيلم ”الطيب والشرس والقبيح” أنه يرغب في موسيقى تشبه خروج الموتى من قبورهم؛ فأبدع إينيو التيمة الموسيقية الأشهر في عالم الموسيقى التصويرية، النفير في البداية، ثم دقات الطبول إيذانًا بالمعركة، وضجيج كصوت تكسير العظام، والصرخات، والشعور باقتراب الموت المحقق.

اهتمام ليوني بالموسيقى كان يجعله يطلب من موريكوني تأليف موسيقى الفيلم أولاً، ثم إخراج المشاهد بناءً عليها، يبدو هذا واضحًا في المعركة الأخيرة بفيلم الطيب والشرس والقبيح، ثلاث لقطات متوسطة لكل منهم، ثلات لقطات من فوق الكتف، ثلاث لقطات مقربة للوجه، ثلاث لقطات مقربة للمسدسات. وهكذا، شلال متدفق من اللقطات المتتالية يتزايد إيقاعها وسرعتها مع الموسيقى، ترقب وحذر وخوف بين الثلاثة عبرت عنه الموسيقى في نغمة تصاعدية حتى يصل إلى قمته.

فيلم ”من أجل مزيد من الدولارات” الموسيقى حددت مجرى أحداثه، موسيقى ساعة اليد التي تعلن عن اقتراب الموت، الساعة يحملها إينديو بطل الفيلم دائمًا، ويترك ضحاياه يستمعون إلى موسيقاها في لحظاتهم الأخيرة من الحياة، لكنها نفس الساعة التي كشفت حقيقة مطاردة الكولونيل له، فأعلنت ذات الموسيقى نهايته، موسيقى ساعة اليد يليها صوت الأرغن الكابوسي الذي يفتح بابًا إلى الجحيم.

أما الفيلم الآخر الذي شاركت الموسيقى في صنع أحداثه هو ”حدث ذات مرة في الغرب”، الأوبرا المعاصرة كما وصفه سكورسيزي، بطل الفيلم، الرجل الذي يحمل الهارمونيكا، الغامض ذو الملامح الجرانيتية، الهارمونيكا التي حملها منذ طفولته ثم عاد للانتقام ممن أعطاها له، الهارمونيكا الحاضرة في التيمة الرئيسة لموسيقى الفيلم، بشكل بالغ البساطة والعبقرية.

التعاون الأخير: حدث ذات مرة في أمريكا هذه المرة ليس في الغرب الأمريكي، بل في نيويورك ومع عصاباتها، حدث ذات مرة في أمريكا ملحمة عن الصداقة والحب والخيانة والخلاص والغفران، العمل الذي رفض ليوني إخراج “الأب الروحي” من أجل التفرغ له. يقول المخرج جون فورد “لكي تصنع فيلمًا جيدًا يكفي ثلاثة مشاهد جيدة، وأن يخلو من أي مشهد سيئ”، ليوني دفع بهذه المقولة إلى الحد الأقصى، ليس بثلاثة مشاهد جيدة، بل بمشهد رائع تلو الآخر تلو الآخر. أراد ليوني ومعه رفيق دربه أن يصنعا تحفة خالدة فصنعاها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد