بموت الجنرال فرانكو في عام 1975, بدأت إسبانيا عملية التحول الديمقراطي والتخلص من إرث الديكتاتورية التي أثرت بالسلب على مكانة إسبانيا داخل أوروبا طيلة 40 عامًا. قاد هذه العملية ملك عظيم هو الملك خوان كارلوس الأول والذي ينتمي لأسرة البوربون, أعرق الأسر الملكية الأوروبية. تحت رعايته شهدت إسبانيا أول انتحابات برلمانية في عام 1977 ولم يتوقف دوره – الذي أظن أن الشعب الإسباني سيظل مدينًا له به مدى الحياة ـ على ذلك بل سيحمي الديمقراطية الوليدة بظهوره على شاشة التليفزيون الإسباني مرتديًا زي القائد الأعلى للقوات المسلحة الإسبانية في الليلة التي وقع فيها انقلابٌ عسكري حاول من قاموا به أن يقنعوا الجميع أنهم يتحركون بناء على أوامر الملك, فكان أن ظهر وقال إنه ضد الانقلاب وإنه يؤيد النظام الشرعي الحاكم في ذلك الوقت, وكان لظهوره هذا عظيم الأثر في دحر هذه المحاولة الانقلابية. منذ هذه الفترة وطيلة 3 عقود تعاقب على حكم إسبانيا حزبان كبيران هما الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي واللذان يمثلان اليمين واليسار.

حققت إسبانيا قدرًا هائلًا من التقدم الاقتصادي والسياسي في ظل حكم الحزبين الكبيرين وأصبحت عضوًا مؤسسًا في الاتحاد الأوروبي، ولكن ظلت محاولات انفصال بعض الأقاليم مثل كتالونيا والباسك هي أكبر المشاكل التي فشل الحزبان في حلها حتى الآن.

في عام 2008 ظهرت الأزمة العالمية والتي عصفت بالكثير من الاقتصادات، وكانت إسبانيا من أكثر الدول التي عانت ولا تزال من توابع الزلزال الاقتصادي وبالتالي انهار القطاع العقاري والذي كان يعتبره الكثيرون قاطرة الاقتصاد الإسباني في الفترة السابقة على الأزمة العالمية. أدى هذا الانهيار إلى وصول معدل البطالة لنسب غير مسبوقة ـ في آخر الإحصائيات وصل عدد العاطلين إلى ما يقرب من 4 ملايين شخص ـ وتحولت إسبانيا لدولة طاردة لأهلها لأول مرة منذ 4 عقود. أعقب ذلك ظهور الثورات العربية والتي ألهمت حركات الشباب الغاضب في الكثير من البلدان مثل حركة «احتلوا وول ستريت» OCCUPY WALL STREET .

في إسبانيا استهلمت حركة الشباب الغاضب شعارات ميدان التحرير خاصة المتعلقة بمطالب العدالة الاجتماعية، ورُفِع العلم المصري في بعض ميادين مدريد. أسفرت كل العوامل السابقة عن ظهور بعض الأحزاب الجديدة, أبرزها حزب «سيودادانوس» بزعامة  المحامي الشاب ألبرت ربييرا, وحزب «بوديموس» والذي يعني «نستطيع», بزعامة أستاذ العلوم السياسية «بابلو إيجلاسيس» بجامعة كومبلوتنسي بمدريد والذي استطاع فقط بعد 20 يومًا من تأسيس حزبه جمع عضوية 100,000 شاب كانت أبرزهم نجوى جويلي وهي إسبانية لأب مصري من النوبة، والتي حصلت على أعلى الأصوات على مستوى إسبانيا كلها في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 20 ديسمبر من العام الماضي،  وأصبحت أول نائبة إسبانية من أصل عربي، وبسبب أنها كانت أصغر الأعضاء سنًّا ترأست الجلسة الافتتاحية للبرلمان الإسباني.

كسر ظهور حزبي سيودادانوس وبوديموس هيمنة الحزبين الشعبي والاشتراكي على السياسة الإسبانية، وهو الأمر الذي جاء نتيجة لدستور 1978. حصل الحزبان على نسبة 30% من مجموع الأصوات في الانتخابات التي جرت في ديسمبر الماضي. حرمت هذه النتيجة كلا الحزبين الكبيرين القديمين من أي أغلبية مطلقة لتشكيل الحكومة الجديدة. وعلى أثر ذلك دخلت الأحزاب الأربعة في مفاوضات لتشكيل ائتلاف حاكم لم تسفر عن شيء مما استدعى الحاجة إلى انتخابات جديدة جرت في 26 يونيو، ولكن تكررت نفس النتيجة مع تقدم طفيف للحزب الشعبي بقيادة ماريانو راخوي رئيس حكومة تيسير الأعمال الحالية, ومع ذلك لم تمكنه من الانفراد بتشكيل الحكومة. لم تسفر كل المرحلة التالية على الانتخابات الثانية عن أي تقدم ملحوظ سوى تحالف الحزب الشعبي مع حزب سيودادنوس على الرغم من المعارضة التي وجدها راخوي من الكثيرين من أعضاء حزبه لهذا التحالف, ومع ذلك فشلت أيضًا عملية تسمية راخوي رئيسًا للحكومة الجديدة وذلك بسبب رفض غريمه التقليدي بيرو سانشيز رئيس الحزب الاشتراكي الذي باتت أيامه معدودة في قيادة اليسار الإسباني لفشله في انتشال الحزب من كبوته.

يرجع أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة كومبلوتنسي «ريكاردو ثونيجا» فشل الأحزاب الأربعة في التوافق على تشكيل الحكومة لضعف الخبرة السياسية الإسبانية في التفاوض بشكل عام، وذلك لأنه طيلة العقود التالية  لبداية التحول الديمقراطي, وصل كلا الحزبين لسدة الحكم بدون الحاجة للدخول في ائتلافات وبالتالي فالوضع  الحالي يعد خبرة جديدة على الحياة السياسية الإسبانية.

سيجتمع البرلمان الإسباني مرة أخرى للتصويت للمرة الثانية على تسمية راخوي رئيسًا للوزراء كما ينص الدستور الإسباني ولكن إذا فشلت هذه المحاولة فلن يكون أمام الملك فيليبي السادس سوى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية ستكون الثالثة في غضون عام واحد، والتي بات الجميع بالداخل الإسباني مقتنعًا أنها قادمة لا محالة.

إن الجمود السياسي الذي تعاني منه إسبانيا حاليًا ـ في أكتوبر القادم تكون إسبانيا قد أكملت عامًا بدون حكومة منتخبة ـ جعل العديد من الإسبان ينظرون بعين الريبة إلى التجربة الجديدة عليهم وهي التعددية الحزبية التي لم تسفر عن شيء حتى الآن سوى عن تعثر سياسي لم تشهده إسبانيا منذ التحول الديمقراطي، وهذا يصب في صالح الحزب الشعبي الذي اعتبر فوزه بالأغلبية في انتخابات إقليم جاليسيا والتي جرت في 25 سبتمبر الحالي، والتي وإن كانت لن تُسهم في حلحلة الوضع  المتأزم ولكنها من وجهة نظر الحزب الكبير تعتبر مؤشرًا على اتجاهات التصويت في حالة الدعوة لانتخابات ثالثة, في حين يرى فريق آخر أن تعقد المشهد ليس سوى تعبير عن حالة الديناميكية التي تحظى بها الحياة السياسية الإسبانية والتي إن بدت متعثرة الآن فإنها لابد ستطور نفسها مع الوقت، وربما تمثل نموذجًا لبلاد أخرى.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسبانيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد