المجد الموروث

إن الإمبراطورية الإسبانية التي شملت شمال المغرب وأجزاء من إيطاليا (جنوبها وجزر في المتوسط) وأجزاء كبيرة من أمريكا الوسطى (المكسيك) والجنوبية (الأرجنتين وغيرها) ولا بأس بها في أفريقيا والفلبين في شرق آسيا قد ورثت مجد الأندلس الضائع.

بقي المسملون سبعة قرون و80 عامًا انسحب فيها المتمردون الإسبان إلى أقصى الشمال، ولم يكلوا ولم يملوا لاسترجاع الأرض التي أخذها المسلمون حتى جاءتهم الفرصة، حين افترقت كلمة المسلمين وتحولوا إلى أمراء طوائف وقامت أوروبا بنهضتها، حيث توحدت الإمارات الصليبية وتمكنت من قضم الإمارات الإسلامية واحدة تلو الأخرى، فأصبحت دولة عظمى لقرون بفضل الاكتشافات البحرية وقوة اسطولها البحري المسمى (الارمادا) الذي لم يكن يقهر حينها، لكن تراجع دور إسبانيا وتحولت إلى دولة عادية بعد الحرب الأهلية التي مزقتها وجعلتها تخسر آخر ممتلكاتها وأذلتها عالميًا. 

الحرب الأهلية الإسبانية

اندلعت في ثلاثينيات القرن الماضي بين طرفين، يمكن تلخيصهما بالملكيين واليمنيين والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية من جهة، والجمهوريين واليساريين والديمقراطيين المدعومين من الاتحاد السوفييتي والمكسيك من جهة أخرى، في حين التزم الغرب ممثلًا ببريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الحياد.

بعد فوز أنصار الجمهورية في الانتخابات سنة 1931 اضطر الملك للتنازل عن عرشه والذهاب إلى روما، بدأت تظهر مظاهر شيوعية في البلاد وحاول الجمهوريون تأميم العديد من القطاعات والتضييق على بعض الحريات، مما أثار حفيظة الطبقة الإقطاعية في البلاد وطبقات أخرى في المجتمع بالإضافة إلى الكنيسة المحافظة، وحصل نوع من الاضطرابات وعدم الاستقرار فقام الجنرال فرانسيسكو فرانكو بانقلاب عسكري بالهجوم على إسبانيا انطلاقًا من مستعمرة الريف في شمال المغرب وحشد الكثير من المغاربة في جيشه مقدمًا لهم كافة الإغراءات وشاركه المارشال المغربي محمد أمزيان الحرب كما سانده العديد من قطعات الجيش داخل البلاد وأسس فرانكو حزب الكتائب الإسبانية الذي قلده موارنة لبنان وأسسوا حزبًا بنفس الاسم (الكتائب اللبنانية) وقاومت الحكومة الجمهورية ذلك، فبدأت حرب طاحنة استمرت ثلاث سنوات من 1936 حتى 1939 كانت شرارتها اغتيال القوميين أنصار الملكية للشاعر الإسباني الشهير لوركا وانتهت بسقوط برشلونة بيد الجنرال فرانكو وانتصاره.

في الحقيقة لم يكن انتصار فرانكو نتيجة للعوامل الخارجية أو قوة فرانكو نفسه بقدر ما كانت الخلافات والانشقاقات في الأحزاب الجمهورية التي ضمت أقصى اليسار ممثلا بالشيوعيين وحتى الليبراليين.

نتيجة هذه الحرب قتل حوالي نصف مليون إسباني وهاجر حوالي نصف مليون آخر إلى بلدان أوروبية والمستعمرات الإسبانية القديمة في أمريكا اللاتينية وحوصرت مدريد وأحرقت هي وبرشلونة أيضًا بالإضافة إلى العديد من التفجيرات التي طالت المدنيين.

حكم فرانكو البلاد بعد ذلك 36 عامًا حتى 1975 بقبضة من حديد وبنظام الحزب الواحد، حيث إنه أعلن حياده في الحرب العالمية الثانية مع أنه كان متوقعًا دخوله الحرب إلى جانب هتلر وموسوليني مما أنقذه من مصير مشابه ثم قام بالتقارب مع الولايات المتحدة في الخمسينيات، وسمح بإقامة قاعدة عسكرية لها في جنوب البلاد لكنه لم يعترف بإسرائيل.

قبل موته أوصى بتسليم الحكم إلى ولي العهد ابن ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس ونفذ البرلمان ذلك معيدا بذلك الملكية التي ادعى انه حارب من اجلها ومنعها بعد وصوله الى الحكم، وقام الملك الجديد بدوره بإجراء انتخابات نيابية حقيقية وأرسى قواعد الديمقراطية في البلاد عبر دستور 1978 وأبقى منصبه شرفيًا كباقي الملكيات الدستورية.

كشف بقاء فرانكو في منصبه بعد الحرب العاليمة الثانية الوجه القبيح للغرب، الذي يوافق على إبقاء الديكتاتوريات حتى لو كانت في أوروبا طالما لا تهدد مصالحه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد