لم يكن سقوط غرناطة في الثاني من يناير (كانون الثاني) عام 1492 علي يد الملكان الكاثوليكان فرناندو وايزابيلا، بعد حصار تسعة أشهر، وبعد أن تم توقيع معاهدة تسليم غرناطة في الخامس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1491، هو نهاية المسلمين في الأندلس كما يتصور البعض، بل البداية للمحن والويلات التي سيلاقونها فيما بعد، بداية بالتنصير القسري، وانتهاء بالطرد والتهجير من أرضهم! تلك هي مأساة الموريسكيين أو المسلمين المتنصرين.

ومعني كلمة موريسكيين، أي: المسلمون الأندلسيون الذين تم إجبارهم على التنصير بعد سقوط غرناطة في يد الإسبان.

وفي هذا المقال نحاول أن نمر على ما حدث للأمة الأندلسية المغلوبة عقب سقوط غرناطة في الثاني من يناير عام 1492.

لنعُدْ إلى عام 1491، وبالتحديد في الرابع والعشرين من نوفمبر، في قصر الحمراء بغرناطة، حيث اجتماع طارئ عقده أبو عبد الله الصغير ملك غرناطة مع وجهاء وأعيان وفقهاء وفرسان غرناطة للتوقيع والموافقة النهائية على وثيقة تسليم غرناطة حسب الشروط التي اتفق عليها مع الملكين الكاثوليكين فرناندو وإيزابيلا. ارتضى كل الحضور هذه الشروط، وبدأوا في التوقيع على الوثيقة، إلا فارس واحد، ارتفع صوته في غضب يشق غرفة الاجتماع ليقول

(إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدننا وتدميرها وتدنيس مساجدنا وأمامنا الجور الفاحش والسياط والأغلال والتعذيب والمحارق، لا تركنوا إلى هذه المعاهدة، فسيغدر بها ملك النصارى، وهذا ما سوف تراه تلك النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف، أما أنا فوالله لن أراه).

كان هذا هو فارس الأندلس الأخير موسي بن أبي الغسان، وبدا كأنه يري بعينيه ماذا سيحدث في المستقبل للأمة الأندلسية المغلوبة! راجع مقالي على «ساسة بوست» هل خان أبو عبد الله الصغير غرناطة؟

كانت معاهدة تسليم غرناطة التي وقعها أبو عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة مع الملكان الكاثوليكان، فرناندو وايزابيلا، تحتوي على ما يزيد عن الستين بندًا، تضمن للمسلمين الحفاظ على دينهم وأماكن عبادتهم وحريتهم بدون مساس، إلا أنه للأسف لم يتم الالتزام ببنود هذه المعاهدة، وظهر الوجه القبيح للملك فرناندو في الغدر بمعاهداته والتزاماته!

كان أول خرق للمعاهدة بعد دقائق من تسليم غرناطة في الثاني من يناير عام 1492، حين رفع الكاردينال ميندوثا الصليب فوق برج الحمراء معلنًا انتصار النصرانية! وبعد ذلك توالت الخروقات للمعاهدة!

وللأسف الشديد فإن الملكين فرناندو وإيزابيلا كانا يقعان تحت السطوة الكاملة للكنيسة الإسبانية التي كانت تضطرم رغبة وحماسًا في القضاء على المسلمين الباقين بالأندلس بعد سقوط غرناطة!

ويصف لنا مؤرخ إسبانى عاش قريبًا من ذلك العصر، نيات الكنيسة نحو  المسلمين فى قوله: إنه منذ استولى فرناندو على غرناطة، كان الأحبار يطالبون إليه بإلحاح، أن يعمل على سحق طائفة محمد من إسبانيا، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء، إما التنصير، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب، وأنه ليس في ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم، بل فيه إنقاذ لأرواحهم، وحفظ لسلام المملكة، لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون في صفاء وسلام مع النصارى، أو محافظين على ولائهم للملوك ما بقوا على الإسلام.

وهكذا أظهرت السياسة الإسبانية نيتها الواضحة ضد الأندلسيين. في البداية حاولت الكنيسة الإسبانية أن تعمل لتحقيق غايتها لتنصير المسلمين بالوعظ والإقناع، ومختلف وسائل التأثير المادية، ولكن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج تذكر، فجنحت الكنيسة عندئذ إلى سياسة العنف والمطاردة، وكان يقود هذه السياسة حبران معروف عنهما تعصبها الشديد للكاثوليكية وضد كل ما هو مسلم، وهما الكاردينال خمينيس مطران طليطلة، ورأس الكنيسة الإسبانية، والدون دجو ديسا المحقق العام لديوان التحقيق.

واصدر الملك فرناندو امره بتنصير كل المسلمين الباقين في الأندلس عام 1500، وبعد ذلك تم إنشاء ديوان التحقيق أو ما يعرف بمحاكم التفتيش، وتولى رئاسته واحد من أشد المتعصبين، وهو القس توماس دي توركيمادا، الأب الروحي ومعلم ومربي الملكة إيزابيلا، وهو من رباها منذ صغرها على أشد تعاليم التعصب الكاثوليكية.

كانت مهمة ديوان التحقيق هذا تعقب المسلمين في كل أنحاء الأندلس الباقين علي دينهم، والقبض عليهم ومصادرة أموالهم، ومحاكمتهم، انتهاء بحرقهم في ميدان عام بتهمة الكفر والمروق في كثير من الأحيان!

ويورد أستاذنا محمد عبد الله عنان رحمه الله في موسوعته الخالدة دولة الإسلام في الأندلس وثيقة من أغرب الوثاتق القضائية، تتضمن طائفة من القواعد والأصول التي رأى ديوان التحقيق الإسباني أن يأخذ بها المسلمون المنصرون في تهمة الكفر والمروق، وقد نقل عنان نص الوثيقة عن مؤرخ ديوان التحقيق الإسباني: الدون لرنتي وتنص على ما يلي:

يعتبر الموريسكي أو العربي المنصر قد عاد إلى الإسلام إذا امتدح دين محمد، أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهًا، وليس إلا رسولًا، أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أمه، ويجب على كل نصرني أن يبلغ عن ذلك، ويجب عليه أيضًا أن يلغ عما اذا كان قد رأى أو سمع أحدًا من الموريسكيين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم في يوم الجمعة، وهو يعتقد أن ذلك مباح، وأن يحتفل بيوم الجمعة بأن يرتدي ثيابًا أنظف من ثيابه العادية، أو يستقبل المشرق قائلًا باسم الله، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها، أو يرفض أكل تلك التي لم تذبح، أو ذبحتها امرأة، أو يختن أولاده. أو يسميهم بأسماء عربية، أو يعرب عن رغبته في اتباع هذه العادة، يقول إنه يجب ألا يعتقد إلا في الله وفي رسوله محمد، أو يقسم بأيمان القرآن، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم بالوضوء والصلاة بأن يوجه وجهه نحو الشرق ويركع ويسجد ويتلو سورًا من القرآن، أو أن يتزوج طبقًا لمرسوم الشريعة الإسلامية، أو ينشد الأغاني العربية، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية، أو أن يستعمل النساء الخضاب في أيديهن أو شعورهن، أو يتبع قواعد محمد الخمسة، أو يملس  بيديه على رؤوس أولاده أو غيرهم تنفيذًا لهذه القواعد، أو يغسل الموتى ويكفنهم في أثواب جديدة، أو يدفنهم في أرض بكر، أو يغطي قبورهم بالأغصان الخضراء، أو أن يستغيث بمحمد وقت الحاجة ناعتًا إياه بالنبي ورسول الله، أو يقول: إن الكعبة أول معابد الله، أو يقول إنه لم ينصر إيمانًا بالدين المقدس، أو أن آباءه وأجداده غنموا رحمة الله لأنهم ماتوا مسلمين.

ونستنتج من هذا أن محاكم التفتيش كانت تتدخل في كل شئون الحياة اليومية للأندلسيين، وكان دورها واضحًا وحيويًا في اجتثاث شعائر الإسلام الباقية في إسبانيا، وكان كل هذا يتم برعاية الملك فرناندو الذي يقول عنه المؤرخ الإسباني ثوريتا: وكان مشهورًا ليس بين الأجانب فقط، ولكن بين مواطنيه أيضًا بأنه لا يحافظ على الصدق، ولا يرعى عهدًا قطعه، وأنه كان يفضل دائمًا تحقيق صالحه الخاص على كل ما هو عدل وحق.

وفيما بعد تطورت الأمور في عهد الملك شارلكان حفيد فرناندو الذي أصدر أمرًا ينص على طرد كل مسلم في إسبانيا يصر على البقاء على الإسلام، وتحويل كل المساجد المتبقية في إسبانيا إلى كنائس!

كانت سجون محاكم التفتيش عميقة مظلمة رطبة تغص بالحشرات والجرذان، ويصفد المتهم بأغلال حديدية ثقيلة قبل أن يلقى فيها. ويصف الدكتور لي (H. C. Lea) في كتابه (The Moriscos of spain) ما يلحق بالمتهم من أذى، ذلك أن أملاكه كلها تصادر وتصفى على الفور، وتقطع جميع علاقته بالعالم حتى تنتهي محاكمته. وتستغرق المحاكمة عادة من عام إلى ثلاثة أعوام لا يعرف السجين أو أسرته خلالها شيئًا عن مصيره، وتدفع نفقات سجنه من ثمن أملاكه المصفاة، وكثيرًا ما تستغرق المحاكمة ذلك الثمن كله، وكانت إذا ما أدانت المحكمة المتهم بتهمة الكفر – أي البقاء على الإسلام – فإنه يصدر الحكم بإعدامه حرقًا في ميدان عام في حفل ضخم!

وكان الملك فرناندو محبًا للغاية لحفلات الإحراق هذه، وشغوفًا علي حضورها بنفسه، ودائمًا كان يمتدح المحققين والقضاة الذين يحكمون على متهم بالإعدام حرقًا! وللعجب أن قانون محاكم التفتيش الإجرامية هذه كان يجيز محاكمة الموتى والغائبين، وتصدر الأحكام في حقهم، وتوقع العقوبات عليهم كالأحياء؛ حيث تصادر أموالهم، وتعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق، أو تنبش قبورهم، ويستخرج رفاتهم لحرقها!

وأختم مقالي بما ذكرته أستاذتنا الراحلة الدكتورة رضوي عاشور رحمها الله في روايتها الخالدة (ثلاثية غرناطة) عما عاناه المسلمون في الأندلس عقب سقوط غرناطة حيث تقول: أن يحرم عليك التحدث بالعربية، وأن يتم إجبارك على تغيير اسمك العربي إلى اسم كاثوليكي، وأن يحرم عليك ارتداء الملابس العربية، وأن يتم سب دينك ونبيك أمامك، فإن اعترضت، فهذا معناه أنك كافر ما زلت باقيًا على الإسلام، يا الله كم عانوا!

وهكذا أكون في هذا المقال قد حاولت استعراض جزء بسيط من المحنة التي مرت بها الأمة الأندلسية عقب سقوط غرناطة، والواقع أنها سطوري هذا لا تفي أو تصف ولو جزءًا بسيطًا مما عانته الأمة الأندلسية الكريمة، ولم أتطرق إلى ثورة البشرات، وما حدث في بعضها من تهجير وتشريد وطرد الأندلسيين، فهذا يحتاج إلى مقال مطول آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد